الإعلام العربي ما لهُ وما عليه ؟ .
بقلم الكاتب الاعلامي :
أنور ساطع أصفري .
***************************************************************************
الموضوع بكل تأكيد شائك ومترافق بالاتهامات وبالتبرير ، فنحن نعاني فعلاً من مجتمع معزول ، البطالة حدّث ولا حرج ، دور المرأة لا يزال متخلفاً ، هناك فقر ، وهناك تحدي ، وهناك هرولة يومية وراء لقمة العيش ، هناك إقصاء لرأي الآخر ، هناك تآكل في حقوق الانسان ، وهناك تبعية سياسية واعلامية ، مجمل هذه الأمور وسواها كثير تجعلنا نقول من خلالها أن هكذا مجتمع يعيش بأُمّية ، ليست أميّة القراءة والكتابة ، بل أُميّة التعامل مع العصر ، ومواكبة الركب الحضاري في العالم .
حالة الاعلام العربي الذي يُصفّق دوماً للسلطان ونهجه ، يصلح للتشخيص الطبي ، فهناك إنفصام شخصية يعاني منها الاعلام العربي ، ونحن في حالةٍ مُخيفة حينما نرى أن الواقع الاعلامي ليس له أي علاقة بالواقع المُعاش للبشر نهائياً ، ولأنه إعتاد على هذا النهج منذ سنوات طوال ، فيبدو الحال وكأنه لم يعد بالامكان أفضل مما كان .
نعم كانت هناك محاولات لانتشال الاعلام من هذا الواقع المأساوي ، ولكن انصدمت بجدار الواقع وبلاءات المنع والتحذير .
سنوات الأزمة العربية منذ 11 عاماً ولغاية الآن ، رأينا كيف كانت بعض الأجهزة الاعلامية تزيّف الحقائق ، وتفتعل الفتن على الساحة العربية ، وتقوم ببث فيديوهات مُركّبة ومُدبلجة لتمزيق الاقليم ولإرضاء من يتبعون لهم في مخططاتهم المشبوهة والشريرة بحق الأوطان والأمّة والانسان .
فهناك لا توازن ، وشطط كبير في الاعلام العربي ، وهناك تطرّف ، وكلّ جهة إعلامية تعتقد نفسها أنها الأمثل .
نحن العرب مميّزون بحجم إعلامنا ، فلدينا حوالي 1500 فضائية عربية ، وهناك فقدان للدور الثقافي أو المعرفي أو الفكري ، لدينا مئآت من الصحف والمجلات ، كلّها ألوانها جميلة ، لكن مضمونها فاقع وفارغ ، طبعاً آخذين بعين الاعتبار أن هناك ميزانيات ضخمة وكمٌ كبير من المليارات همّها الأساسي أن تقوم بتزييف العقل العربي ، وتغييب العقل العربي والابداع العربي .
هناك نفاق واضح في أجهزة الاعلام ، وأحياناً يتشدقون بالحرية وبالديمقراطية وما إلى هنالك ، ومسؤولون يتشدقون أيضاً بهذه المحاور ، ولكن عندما تناقشهم يتحوّلون إلى مستبدّ إقصائي .
وزارات الاعلام قد لا تعنيها حالة الهبوط الاعلامي في المنطقة ، لأنها مزارات تابعة وليست صاحبة قرار ، فمراكز القوى هي التي تبيح ما تشاء وتحظر ما تريد ، كما أن الاعلام العربي معظمه مموّل من جهات متنفّذة إن كانت داخلية أو اقليمية أو دولية ، ، أي تابع ، وخادماً لمصادر النفوذ ، ولو كان على حساب أبنا الشعب والفقراء والكادحين ، فالاعلام العربي مع الأسف أصبح سيفاً على رقاب الناس وليس بأيديهم .
وهكذا اعلام هو مجتهد في صناعة الموقف ، وفي التضليل ، وتشويه الحقائق ، والمواطن العربي لم تعد تعنيه هذه المنصّات الاعلاميه لأنه فقد ثقته بها ، حتى نشرة الأخبار أصبح يحصل عليها من مصادر أخرى .
فبين الحقيقة والتضليل الاعلامي هناك نفقاً كبيراً وواسعاً ، فنحن حينما نطالب بإعلامٍ حرٍ ونزيه ، إنما نطالب بفسح المجال أمام هكذا إعلام للوصول إلى كل المعلومات التي توصله إلى الحقيقة ، وليس إلى الكذب الذي ينساق وراء أجنداتٍ ظلاميّة ، فالمشهد الاعلامي بشكلٍ عام غني بأمواج الفوضى ومن كل الاتجاهات ، فليست هناك ضوابط مهنية أو أخلاقية أو إنسانية ولا حتّى وطنية .
كما نأخذ بعين الاعتبار أن عهدنا هذا يشهد نشاطاً لا حدود له من خلال مواقع وصفحات الانترنت ، وهذه المواقع والصفحات ليس لها ضوابط ، فكل من يريد أن ينشر إشاعة ما ، أو يريد أن يُلفّق خبراً ما ، يفعل ذلك بكل سهولة ، ويتحقق له ما يريد من خلال من يساعده على تعميم ونشر هذه المعلومة ، والاعلام العربي وذوي نائمون ولا يتابعون .
نعم وبكل تأكيد إن الاعلام يلعب دوراً مهماً في حياة الأمم والشعوب ، ليس فقط في نقل الأحداث والأخبار أولاً بأول ، وإنما في صناعة وصياغة وتحديد توجهات الرأي العام .
الاعلام الأسود هو أخطر وسائل الحرب الحديثة التي تستهدف أولاً عقول البشر والتشويش على الحقائق .
فالغرب ومصالحه والاعلام المضلل باستطاعتهم استخدام أنظمةٍ بكاملها لتمرير مشروعات الهيمنة وتمرير الأجندات الهدّامة .
الشعب ، كل الشعب يُريد إصلاح الحال ، ونحن اليوم بأمس الحاجة للمواجهة المكشوفة مع أجهزة الاعلام المشبوه ، وتعرية مُشغلي الفتن ، ووضع استراتيجية إعلامية تخدم هويتنا الوطنية والقومية ، واستقطاب كل القوى الوطنية الفاعلة وأصحاب الخبرة الاعلامية والسياسية من أجل مواجهة تيار الفتنة ، والتقاعس الاعلامي على الساحة العربية .
فنحن إذا أردنا مستقبلاً أفضل إعلامياً وسياسياً وثقافياً ، لا بدّ من مراجعة كل خطاباتنا الاعلامية والسياسية والثقافية والتربوية والدينية واستبدالها بخطاباتٍ حضارية ، تتمتّع بماهيّة الحسّ والولاء والانتماء الوطني والقومي والأخلاقي والانساني . ’
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق