عابر سبيل، في مهب الريح
١(الآخر)
طالَ غياب أبي، والتفكير أرهق عقلي الصغير. قبل أن يسافر حملني وأخذ يدور بي، ظل يدور ويدور، كدتُ أتقيأ، فجأة كفَْ عن الدوران، فعل ذلك بالوقت المناسب، كنت الهث، أما وجهي فكان مصفراً من الخوف، لكنه اضحكني، أنه يعرف كيف يفعل ذلك، همس بإذني وقال :
_سأحضر لكِ العاباً كثيرة، حتى أني قد أحتاج لحقيبة أخرى، حدّقتُ فيه، هزَّ رأسه وهو يؤكد ماهمسَ به، أتذكر أني كدتُ أشرقُ من كثرة الضحك!. قالت أمي في واحد من المساءات العديدة التي مرّتْ على غياب أبي :
_عليكِ أن تنامي مبكراً إن أردتِ رؤية أباكِ، أنا أكبر منكِ وأعرف أن الآباء لايحضرون حين يكون أبنائهم مستيقظون!. حدّقتُ فيها بعيون متسعة وَبذلتُ جهداً حتى لا أرمش، ولأنها أمي فقد صدّقتها، العجيب أني استيقظتُ عند الفجر، لا أعرف هل كان بسبب صياح ديك الجيران، أم لشعوري بالعطش؟ عندما التفتُّ صوب أمي خفق قلبي بشدّة، أمي لم تكن لوحدها! فأبي كان ملتصقاً بها، لكن حين دقّقتُ النظر ماتتْ فرحتي، فأنا لا أعرف هذا الرجل الذي كان يدير ذراعيه حولها، ويهمس بصوتٍ لايشبه صوت أبي، ابداً ابداً!. (تمت)
٢ (العراّفة)
قالتْ جدّتي وهي تقبض بيدٍ من حديد على مُعصم أمي :
_إجعلي كفّكْ مبسوطة، نعم هكذا، آه، الخطوط في راحة يدكْ تنطق، أنظري يابلهاء، زوجك آتٍ لامحالة،ولدي الحبيب، بعد أيام أو اسابيع، - ضَحكتْ ضحكة قصيرة ثم سَعلتْ- أن جدّتكْ ترى كل شيء أمامها. قالت هذا لي، ثم جَذبتْ جسدي النحيل إليها وضمتني ضمّة قويّة، افلتتْ كفُّ أمي، نَهضتْ هذه الأخيرة وهي تكاد تتَعثرُ في دمعها المسفوح، لاحقتها كلمات جدّتي :
_أنها دموع الفرح أكيد، سيعود الغائب أخيراً. أخذتْ جدّتي تقبّلُ رأسي وهي تَهمسُ لي من بين ضحكاتها :
_أمكْ خجولة مثلكْ ياولد، هل رأيتْ كيف احمرّتْ وتعثرّتْ؟ هيا أرني كفّكْ، دعنا نرى زوجتك المستقبلية. كانت جدّتي تفعل ذلك كل يوم، وحتى أكون دقيقاً فهي كانتْ تقوم بالأمر عند الغروب، تقول أن ذلك الوقت من النهار الآفل، يعتبر وقتاً ميمونا! ورغم أن أبي لم يظهر في الأفق ولا في غير الأفق، إلا أننا واعني أنا وأمي الخجولة، كنا نتلهّف إلى اللحظة، التي فيها كنا نجلس بمواجهة الجدة، ننتظر سعالها المتقطّع، قبل أن تتنهّدْ وتلمع عيناها ، وهي تَقبضُ بيدٍ من حديد كالعادة، على معصم أمي ومعصمي!. مَضتْ بعد ذلك أشهر الشتاء، ثم تلتها بضعة شهور من فصل الصيف،لكن أبي المقاتل في الجبهة لم يعد،ثم أصبحتْ أمي أقلُّ لهفة، حتى أنها صارتْ تفتحُ كفّها بصورة آلية، أما أنا فلم يعد يجذبني شيء مما كانتْ تقوم به جدتي العرّافة! فقط لمعة عينيها كانتْ تفعل! كان بريق عينيها وهي تقرأ الكفْ، يمنحها مزيداً من القوّة والأمل. أما أبي فلم يعد قط!.(تمت)
بقلم /رعد الإمارة /العراق /بغداد
١(الآخر)
طالَ غياب أبي، والتفكير أرهق عقلي الصغير. قبل أن يسافر حملني وأخذ يدور بي، ظل يدور ويدور، كدتُ أتقيأ، فجأة كفَْ عن الدوران، فعل ذلك بالوقت المناسب، كنت الهث، أما وجهي فكان مصفراً من الخوف، لكنه اضحكني، أنه يعرف كيف يفعل ذلك، همس بإذني وقال :
_سأحضر لكِ العاباً كثيرة، حتى أني قد أحتاج لحقيبة أخرى، حدّقتُ فيه، هزَّ رأسه وهو يؤكد ماهمسَ به، أتذكر أني كدتُ أشرقُ من كثرة الضحك!. قالت أمي في واحد من المساءات العديدة التي مرّتْ على غياب أبي :
_عليكِ أن تنامي مبكراً إن أردتِ رؤية أباكِ، أنا أكبر منكِ وأعرف أن الآباء لايحضرون حين يكون أبنائهم مستيقظون!. حدّقتُ فيها بعيون متسعة وَبذلتُ جهداً حتى لا أرمش، ولأنها أمي فقد صدّقتها، العجيب أني استيقظتُ عند الفجر، لا أعرف هل كان بسبب صياح ديك الجيران، أم لشعوري بالعطش؟ عندما التفتُّ صوب أمي خفق قلبي بشدّة، أمي لم تكن لوحدها! فأبي كان ملتصقاً بها، لكن حين دقّقتُ النظر ماتتْ فرحتي، فأنا لا أعرف هذا الرجل الذي كان يدير ذراعيه حولها، ويهمس بصوتٍ لايشبه صوت أبي، ابداً ابداً!. (تمت)
٢ (العراّفة)
قالتْ جدّتي وهي تقبض بيدٍ من حديد على مُعصم أمي :
_إجعلي كفّكْ مبسوطة، نعم هكذا، آه، الخطوط في راحة يدكْ تنطق، أنظري يابلهاء، زوجك آتٍ لامحالة،ولدي الحبيب، بعد أيام أو اسابيع، - ضَحكتْ ضحكة قصيرة ثم سَعلتْ- أن جدّتكْ ترى كل شيء أمامها. قالت هذا لي، ثم جَذبتْ جسدي النحيل إليها وضمتني ضمّة قويّة، افلتتْ كفُّ أمي، نَهضتْ هذه الأخيرة وهي تكاد تتَعثرُ في دمعها المسفوح، لاحقتها كلمات جدّتي :
_أنها دموع الفرح أكيد، سيعود الغائب أخيراً. أخذتْ جدّتي تقبّلُ رأسي وهي تَهمسُ لي من بين ضحكاتها :
_أمكْ خجولة مثلكْ ياولد، هل رأيتْ كيف احمرّتْ وتعثرّتْ؟ هيا أرني كفّكْ، دعنا نرى زوجتك المستقبلية. كانت جدّتي تفعل ذلك كل يوم، وحتى أكون دقيقاً فهي كانتْ تقوم بالأمر عند الغروب، تقول أن ذلك الوقت من النهار الآفل، يعتبر وقتاً ميمونا! ورغم أن أبي لم يظهر في الأفق ولا في غير الأفق، إلا أننا واعني أنا وأمي الخجولة، كنا نتلهّف إلى اللحظة، التي فيها كنا نجلس بمواجهة الجدة، ننتظر سعالها المتقطّع، قبل أن تتنهّدْ وتلمع عيناها ، وهي تَقبضُ بيدٍ من حديد كالعادة، على معصم أمي ومعصمي!. مَضتْ بعد ذلك أشهر الشتاء، ثم تلتها بضعة شهور من فصل الصيف،لكن أبي المقاتل في الجبهة لم يعد،ثم أصبحتْ أمي أقلُّ لهفة، حتى أنها صارتْ تفتحُ كفّها بصورة آلية، أما أنا فلم يعد يجذبني شيء مما كانتْ تقوم به جدتي العرّافة! فقط لمعة عينيها كانتْ تفعل! كان بريق عينيها وهي تقرأ الكفْ، يمنحها مزيداً من القوّة والأمل. أما أبي فلم يعد قط!.(تمت)
بقلم /رعد الإمارة /العراق /بغداد
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق