الموت وديمومة الحياة
إبحار فيما خلف سطور نص" رائحة العشب" ل / محمد البنا
بقلم دكتور / خالد عجماوي
.........
** مصر هبة المصريين.
لايزال كاتبنا يحوم حول فكرة الموت وديمومة الحياة. فبعد أن أتحفنا بأقصوصة المخزن وما فيها من قصة روح حبيسة في مخزن للقطارات، ها هو يعود بنص شحت فيه الكلمات، وإن عظمت فيه الحكمة وتجليات الرؤية.
أرى النص وصفا لتلك العلاقة الأبدية بين الأرض، والماء، والإنسان. والأرض والماء وإن بدوا لنا أزليان لا يهرمان، فإن الإنسان بدوره يعيش في صيرورة دائمة. يهرم ويشيخ ويذوي، ولكنه يعود من جديد. كأنه يتدفق كما الماء، وينبت كما الأشجار والزروع.
أراد الكاتب أن يجعل من بطله المتجدد أسطورة خالدة، فمن خلال جمله الفعلية السردية البسيطة، وجدنا أنفسنا وكأننا أمام إله من الرومان، أو أننا نقرأ عن فتوة من فتوات محفوظ الخالدين. وهو عندي رجل تملؤه الحكمة والقوة معا؛ فو كأنه يعرف مكانه ودوره في الحياة، إذ يلتحق بطابور الأشباح فور أن ينتهي دوره، بأمر من تلك الأرض المباركة حين قالت" كفي. لقد ارتويت" ثم إنه لابد ينبت من جديد.
أقول إنني شممت في النص رائحة الأرض المصرية، والفلاح المصري الأصيل. ليس في الكلمات ما يشي بأن الأرض هي مصر تحديدا، وليس فيها ما يقول إن الماء هو النيل الجاري، ولكن قوله "عقد جلبابه" و"خصره النحيل" جعلاني أرى فيها تلك اليد المصرية السمراء الخشنة التي تحفرها العروق، والتي تحمل فأسها كي تشق قنوات الحياة للأرض العطشى. كذلك قوله "هكذا كان يرى أباه يفعل" يوحي بأن تلك الأرض تليدة وخالدة، وأن الماء إنما هو يجري فيها منذ الأزل.
نص مائز. وإن كانت تيمته هي الشغل الشاغل لدى البنا في كثير من نصوصه أظن: العلاقة بين الموت والحياة، وفكرة الأبدية.
دمت مبدعا أستاذنا الجميل 🌹🌹
خالد عجماوي....٤ سبتمبر ٢٠٢٠
............
النص
.......
رائحة العشب
...................
عقد جلبابه ضامًا أطرافه إلى خصره النحيل، انحنى على حافة القناة مُحدثًا فجوةً في الجسر الممتد بطولها؛ اندفع الماء متلهفًا لإرواء الأرض العطشى.
جلس على حافة الجسر، أمسك بعصا صغيرة وغمس طرفها في المياه المتدفقة؛ هكذا كان يرى أباه يفعل.. ألف عامٍ مضت ولا شيء تغيّر، رائحة العشب، نقيق الضفادع، خرير الماء، خضرة الأرض وزرقة السماء، وأشباحٌ تمضي في ظلمة الليل القادم، صوب أشباحٍ منتصبة حيث ينتهي البصر.
لا يدري كم من الوقت مضى، حين طرق صوتها أبواب أذنيه برقة " كفى ماءً، لقد ارتويت "، ردم الفجوة وانتصب واقفًا، فك عقدة الجلباب، وأخذته خطاه المتسارعة متخطيًا بضع قنوات، ليلتحق بطابور الأشباح.
..........
محمد البنا...ديسمبر ٢٠١٢
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق