قصة قصيرة
أسطورتي
أربعون سنة بين مكاتب الدوام لا يمل ولا يكل من تقديم يد العون للناس، شَابَ شعره و قل نظره، استنزف قواه لم يعد برأي بعض المتملقين صالحا للعمل؛ فقد غرفوا من خبرته وسياسته وحكمته بالقدر الذي أهلهم للغدر به وطعنه في ظهره؛ هو عتيق كأسطورة سور الصين العتيق، رجل إذا أطل بملامحه على المجالس استشرفته ابتسامات الناظرين.
كنت أقف هناك بالشرفة أراقبه عن بعد كأنه الفاتح للأمكنة والأزمنة، يتحدث بلغة لا يفهمها إلا العقلاء والحكماء والمارة على عتبات الدهر الأصيل الذي جمعهم به لأعوام خلت؛ يلقبونه بالأب الروحي أولئك الشباب الذين تبناهم بغية تسديد وجهاتهم في الحياة .
أحاط به جمع غفير من اليافعين والشيوخ؛ يبادلهم أطراف الحديث؛ يستمع لهذا ويجيب ذاك ....
تبسم الشيخ زاهر الكل صمت لأنهم على علم أن ابتسامته يعقبها كلام جميل ومحفز ؛ الكل ينتظر مالذي سيتلفظ به شيخ الشيوخ هي تسمية أطلقها عليه أبناؤه بالتبني الروحي؛ قال : يا جماعة هل تعلمون أن القاعدة العمالية تحتاج لمستمع وناقل وليس لناقد؛ ثم يبدأ الشيخ زاهر في عرض مقترحاته بعد تلك المقدمة المبهرة؛ فلننظر إلى ما يجري في الساحة الكل يريد أن يتبنى قضايا الأمة ويرى أنه الأصلح وأن على الآخرين تعقب خطواته والاستدلال برأيه واتباع خططه وطرائقه، يا أبنائي العمل التطوعي ليس فريضة لكنه أيضا لا يجوز شراء الذمم به؛ نحن هنا متطوعون لأجل أن نرفع الغبن عن بعضنا البعض وليس للتباهي و السيطرة على حريات من كلفونا بحمل أمانة التصرف في حقوقهم؛ تطوعوا دون مغالاة في المطالبة بوجوب الوفاء، فالوفاء له أهله وخلانه لا يطالبهم أحد به ،هم يعرفونه حق المعرفة .
سكت الشيخ زاهر ليسترسل في إلقاء كلماته الساحرة مرة أخرى؛ أنتم كلكم أبنائي وأنا لا أستطيع أن أرى أحدكم متضررا؛ يقاطعه أحد الشباب المصغين لكلامه يا شيخ لكنهم يغدرون بك مرارا وتكرارا فلماذا تقدم لهم العون كلما وقعوا في مأزق لم يستطيعوا التخلص من تبعاته؟ لو كنت مثلك لعلمتهم درسا قاسيا، يرد الشيخ زاهر والابتسامة لا تفارقه : يا بني لكل ناجح عدو، والأسود تعيش وتموت أسودا حتى لو غدرت بها الكلاب؛ فلربما أحيانا نجد في الكلاب ما لم نجده في البشر هذا يعني أن الوفاء طبع وليس تطبعا يسري مسرى الدم.
الشيخ زاهر رجل في الستين من عمره لا يروقه الكذب والنفاق والتلاعب بمشاعر الآخرين؛ كل غايته تحقيق هدف واحد وهو فتح المجال للشباب وترسيخ مفاهيم العمل الجماعي واستقطاب العقول الراقية؛ وعدم تكبيد العامة ممن يعرفهم عناء المشقة في استرداد الضائع منهم مادة ومعنى، ورغم ذلك يجد نفسه أحيانا حزينا جدا بسبب عضة بعض الجراء ولا يُظهر لأحد ذلك فهو متميز عن غيره بكثير من الأمور؛ قصة الشيخ زاهر لا تنتهي.
المهم أني أعرفه جيدا فالشيخ زاهر علمني كيف أخطو خطواته؛ وكيف يمكنني أن أكون سيدة المواقف بالنسبة لي هو أسطورتي؛ لم يبخل يوما من التدقيق في أمر استشرته به ثم يهم ينصحني دون أن أحس أنه يبقي في جعبته شيء من تسديد الرأي لي.
يلومني الكثيرون على القدر الكبير من المحبة والاحترام الذي أكنّهما له؛ دائما ما أتجاهل تلك الألسنة الحادة التي تعبث بتفكيري؛ هم لا يعرفون معنى أن تكون إنسانا معترفا بالجميل، أظن أن الزمان الذي نعيشه قد حل به أناس استنكروا فضائل الخيِّرِيينَ عليهم؛ تماما كما فعل بعض اليهود مع موسى عليه السلام حين اكتشف فيهم الكذب والغدر والخيانة في قصة الخبز والذهب والثلاثة.
-انتهى-
بقلم الأستاذة نعيمة بوزوادة
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق