الخميس، 29 أكتوبر 2020

قصة معيشة الكلاب بقلم // لخضر توامة

 قصة : معيشة الكلاب

ذات مساء بعد الغروب تسلل مجموعة من الشباب إلى الشاطئ ، لم ينتبهوا إلى تلك العينين اللتين كانتا تراقبان المشهد بغرابة ، وتلك العينان ما هما إلا لكلب ممدّد قريب منهما ، زحف على بطنه وسال ريقه وقال : ما اجتمع هؤلاء إلا لأجل وليمة ، اقترب منهم لعل أحدهم يرمي له عظما أو أي شيء ، ومدّ رأسه إلى الأمام يتشمّم  ، لا رائحة لطعام تذكر أنّ الإنسان أصبح يضع طعاما في حافظات تمنع خروج الروائح ، طال الانتظار حتى سمع صوتا يأتي من أحشاء الظلام إنه صوت قارب ، لعلهم صيادون تقدّم إلى الأمام ، حتى السمك أصبح بلا رائحة  وقفز في الماء وراح يسبح ، الشباب امتطوا القارب تسلل الكلب وراءهم حتى وجد نفسه بين أكياس وصفائح الوقود الذي أزكم إنفه بدل رائحة الطعام.

ولما سطعت الشمس وجد نفسه محاطا بالماء، وتفطن هؤلاء لوجوده ضحكوا وقالوا حتى الكلاب تعلّمت الحرقة لعله ملّ من أكل القمامة فأراد أن يأكل كما يأكل الأسياد ، أو شاهد شريطا لتربية الكلاب في المنزل وما يحيط به من رعاية صحية ومعيشة رفاهية ودلال ، لم يعرفها في بلده أبدا.

في المساء وصل القارب إلى شاطئ قفز الشباب وحمل كل أحد متاعه وانطلقوا متفرقين وجرى وراءهم وهو يتضور جوعا حتى وصل إلى مشارف المدينة ، مدّ رأسه يتشمّم رائحة الطعام لم يجد لها أثرا تقدّم إلى إحد الشوارع ، كانت هناك حاوية أسرع إليها وقد سبقه ريقه فوجئ بأنها نظيفة لا وجود لرائحة الأكل ، مملوءة بكل شيئ إلا بقايا الطعام ، أين يرمون بقايا الأكل؟

كلما رأى حاوية إلا وازداد جوعه وأصبح يسمع صوت بطنه يطلب أكلا مهما كان نوعه ، تذكر ما تركه هناك ، مطاعم مجانية في كل حي ، تأكل من أي حاوية تشاء ، لكن أنا لم جئت هنا؟ كنت جائعا وظننت هؤلاء الشباب عندهم وليمة ، ها أنا في ليلتي الأولى ولم أظفر بقطعة خبز يابسة ، وبينما هو يتشمم ويكتشف رفع ذيله مثل هوائي رادار، لقد وجد رائحة كلب راح يمدّ راسه والرائحة تزداد قربا حتى اصطدم به في زاوية مظلمة

ـ من أنت ؟

ـ زميل لك جائعا

ـ هل استغنى عنك صاحبك؟

ـ ليس لي صاحب هنا ، جئت من بلاد بعيدة

ـ أهلا بك في بلدي ، هل أعجبك ؟

ـ نعم أعجبني كثيرا ، لكن لم أجد أكلا مررت على كم كثير من الحاويات لم أشم له رائحة.

ـ قهقهة بصوت شبعان وقال : نعم الأكل لا يُرمى أبدا بل يؤكل في البيوت

ـ لكن عندنا في بلدي الحاويات تتخم بالأكل وتنتشر رائحته في كامل الشارع

ـ عندكم أنتم ، أما عندنا فلاوجود لبقايا الأكل.

ـ ماذا يفعلون ببقايا أكلهم؟

ـ يا صاحبي هؤلاء يعيشون بنظام دقيق ويحسبون لكل شيء حيث لا تبقى فضلة من طعامهم.

ـ وأنتم معشر الكلاب من أين تأكلون ؟

ـ نحن نأكل طعامنا في البيوت ولا نبحث عنه في القمامات

ـ أنا أكاد أموت جوعا ، دلني أين أجد قطعة خبز أو عظم؟

ـ لا أعرف مكانا أدلك عليه ، لكن اتبعني تبعه قليلا حتى وجد نفسه في حديقة فيها كوخ صغير رابض أمامه كلب سمين يكاد ينفجر من البدانة ، فرح لمرآهم وقال : كيف يا صديقي تغيب هذه الغيبة والطعام ينتظرك ؟ ردّ عليه إنني عامل ريجيم آكل في النهار فقط أما الليل فلا. وماذا أفعل بهذا الطعام ؟ لا عليك فقد جئت بضيف جائع يبحث عن لقمة يتقوت بها ، قدّم الطعام إلى ضيفه وكان شهيا فأكل منه حتى شبع ، وقال لهما : أنتما تعيشان معيشة الملوك لا معيشة الكلاب

ـ معيشة الكلاب !

ـ نعم معيشة الكلاب عندنا في بلدنا.

ـ وكيف هي ؟

ـ عيشة الكلاب نتناول أكلنا من فضلات البيوت.

ـ وهل تجد أكلا في الحاويات؟

ـ وهل يوجد فيها غير الأكل؟ في بعض الأيام والمناسبات الحاويات تمتلئ بالأكل ، ونحن ندور عليها ليلا نأكل ما نشتهي وفي بعض المرات تجد القليل

ـ وأين تستحمون؟

ـ في الوديان والبرك والأحواض

ألتفت إلى صاحبه قائلا : نعم هذه معيشة الكلاب هنيئا لكم.

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق