الخميس، 29 أكتوبر 2020

قصة قصيرة الجزء الثاني (حوراء البستان) بقلم // نعيمة بوزوادة

 قصة قصيرة 

الجزء الثاني 

حوراء البستان 

بعد أن غادرها وهو يلوح بيده مودعا؛ أصابتها غصة كأن أمرا سيئا سيحدث، تريث قلبها مكذبا أحاسيس الحيرة التي غمرتها فجأة، قامت بياسين بتحضير متاعها للذهاب إلى منزل حماتها بعد أن أوصاها ياسر بالاهتمام بوالديه، جهزت حقيبتها و بعض من الحلوى التي تحبها حماتها كانت قد حضرتها أثناء تواجد زوجها معها، وهي تهم بالخروج إذ تسمع انفجارا هز أركان وجدران البيت، انقبض قلبها بشكل عميق أصابها من هوله الدوار لتسقط على الأرض مغمى عليها، لم تسترجع أنفاسها إلا بعد سماعها أذان المغرب وكأنه ناقوس في أذنها يقرع أجراسه مختلطا بأصوات المارة؛ وقفت ولكن قدميها لا يحملانها، ترى مالذي حدث بالخارج؟ ؛ فجأة باب منزلها يكاد أحدهم أن يقتلعه من شدة الدق عليه؛ تمالكت نفسها وهمت بفتح الباب وإذا به شقيقها الأصغر أشعث أغبر وعيناه جاحظتان محمرتان؛ حافي القدمين جزء من ملابسه مهترئ وبه كسر بالذراع الأيمن؛ لكنه نسي ألم ذلك وهو يقول بحرشفة في حلقه لا يستطيع معها بلع ريقه؛ أختي بياسين لقد تم تفجير ثكنة الجنود بالموقع الشرقي، لم يستطع اتمام حديثه لأن بياسين قامت بوضع يدها على فمه وهي تقول لا تكمل يا أخي أرجوك؛ لا تكمل أرجوك لا تكمل أرجوك، كانت تكرر العبارة ويداها ترتجفان، ثم أجهشت بالبكاء ...آه يا ياسر ماذا فعلت بي؛ آه يا ياسر كم آلمتني...آه يا ياسر أين الوفاء الذي وعدتني...آه يا ياسر قد قلت يوما لن أغادرك حتى لو كلفني ذلك أن أبيع الدنيا ....ياسر قد باعتك الدنيا يا حبيبي ....قد أخذك الموت مني...

قام شقيق بياسين بضمها يهدئ من روعها؛ ياسر مات شهيدا يا أختي، ياسر لبى نداء الوطن؛ بياسين الأرض أغلى من الزوجة والأم والأب، ترد عليه بياسين : هل حمواي يعلمان أن ياسر قد استشهد أخبرني يا أخي؟ .... نعم أخبرتهما قبل الوصول إليك وقد هرعا إلى موقع الانفجار؛ قالت بياسين: خذني إلى هناك يا أخي ....

توجهت بياسين وشقيقها إلى موقع الانفجار ومن هول ما رأت نسيت مصيبتها ووجدت نفسها وسط غبار كثيف وجرحى يتأوهون وأشلاء منفصلة مرمية حافة الطريق فقامت بالاسراع من أجل أن تقوم بتقديم الإعانة و تضميد جراح المستلقين على الأرض؛ عملت بياسين ممرضة قبل زواجها بياسر لمدة ثلاث سنوات بمستشفى المدينة، وكانت حينها تشرف على تطبيب جرحى الجيش أين التقت بياسر وأحبا بعضهما وتزوجا، وهي تجري هنا وهناك وتهرول إذ تقع عينها على شيء يلمع في ركن الثكنة، قلادة كانت تضعها على رقبتها وقد نسيتها ليلة عودة زوجها فوق مكتبه، تظن أن ياسر كان قد أحس بهلاكه فأخذ القلادة كتذكار يصحبه في مهمته الأخيرة ليحس وهو يموت أن بياسين زوجته قريبة منه.

قامت بياسين بحمل القلادة وهي تبكي ثم مسحت عليها بيدها الغبار ووضعتها بجيب تنورتها وواصلت مهمتها في اتمام واجبها نحو الوطن.

بعد ذلك أخبرها قائد الفصيلة أن جثة زوجها تناثرت لأنه أول من كان يتقدم الجنود فلم يبق منها شيء، قالت بحزن شديد ألن يكون له قبر أزوره؛ رد قائلا : لا للأسف.

عادت تجر  أذيال الخيبة لتتصادف مع والدي زوجها فهمّت بعناقهما باكية؛ بينما يقولان لم يبق لنا شيء من ابننا ياسر إلا أنتِ، قالت:  أنا وحفيدكما ... أردت أن أخبر ياسر أننا ننتظر مولودا لكن للأسف رحل عنّا ولم يعد موجودا... ولكن جنديا آخر سيخلف ياسر وسيدافع عن الأرض والعرض والوطن...وقد أسماني يوما والده وأنا أداويه بالمشفى حين عرفته بحوراء البستان وأقسمت أن تنجب الحوراء ألف جندي لهذا البستان .

بقلم الأستاذة نعيمة بوزوادة

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق