بهدوء
قراءة في نص
"في منتصف كأس الشاي"
للأديبة السورية / كنانة عيسى
بقلم المصري / محمد البنا
....................
النص
........
في منتصف كوب الشاي
لعقت عيناها انعكاس وجهها الشاحب في المرآة ، عينها اليسرى مصابة بالتهابٍ شديد ،فركتها بقوة ،أحست بغزارة الدمع و سخونته و هو يسيل ببطء منها،إنها ولا ريب تلك الحساسية التي تتربص بها بعد ساعاتٍ من اللهو خارجًا في حديقتها، ربما كان السبب أعواد النعناع ،أو أشواك الألوفيرا أو ربما أزهار الثيفتيا الي تعتني بها بدلال وعشق ٍ.فكرت وهي تغسل يديها بهمة:
"ولاريب أنَّ أزهار شجرة الحبق الصغيرة التي تصر على النمو رغم كل شيء. هي السبب"
.هرعت إليه عندما سمعت صوت خطواته المتوازنة .احتضنته بقوه، كان مرتجفًا .عرقه البارد دبقٌ ومقلقٌ. خطا بسرعة إلى داخل الصالة المرتبة بإضاءتها الخافتة و رائحة ياسمينها الطازج الذي قُطف للتو. فأرخى ثقل جسده المرتعش بوضوح على كرسيه الجلدي الطري فغرق فيه ,أمسك رأسه بأصابعه النحيلة المتطاولة، و نظر إليها بعينيه العتيدتين القاسيتين محاولًا إخبارها:
-لقد حدث شيء ما….
ترنّحت عشرات الأفكار في رأسها المصابة بصداعٍ شديدٍ في لحظة واحدة ،مالذي سيقوله لها يا ترى؟ لم هذا الوجه الذابل الأزرقُ؟ و هاتان الحدقتان الفارغتان المنهكتان؟هل توفي أحدٌ ما ؟
ركضت بخفة لإحضار كأسٍ من الماء، فتذكرت طعام العشاء الذي نضج للتو. وبسرعتها المعتادة بدأت بسحب الأطباق و ترتيبها. وقامت بتقطيع الخبز برتابة وخبرة، ثمَّ سمعت نشيجًا رجوليًا مثيرًا للخوف، أصابها هذيان قصير، وخاطبت نفسها بينما تولت يدها الصغيرة الشبيهة بأيدي الدمى فرك عينها اليسرى بعصبية:
-أرجو أن يمرَّ هذا اليوم على خيرٍ.
شدت جسدها الناحل وامتشقت قلبها المتنكر بالجرأة و اقتربت من نحيبه المثير للشفقة و الدهشة قال لها متهدجًا
-لقد تركتني تلك المرأة التي أحبّ….لم أعشق سواها في كلّ حياتي الكئيبة.
هذا كل ُّ ما استطاعت فهمه من ذلك الحديث الصادم، سألت نفسها:
- يحبُّ امرأةً أخرى؟
لقد توقفت عن الإصغاءِ…..انقبض شيء ما وتشظى كليةً….
قبلةٌ حارة ٌوحميميةٌ على مقعد مهجورٍ، أعادتها لذلك الحب المسروق.تذكرت ارتجاف قلبها وحرارة جسده في تلك اللحظة الموبوءة، حين كانا معًا في عناقهما الخفي.
هل هذا هو الحب الذي يتحدثُ عنه الآنَ؟
تقاذفتها الأفكار برعونةٍ:
ماذا سأفعل ؟
تنصلت من الموقف الغريب الوقح باختناقٍ،ارتجفت ركبتاها الضعيفتان و هي تزحف داخل أعماقها الداكنة غير آبهةٍ بآلام عينها وصداع رأسها و غصة قلبها.
قالت له:
"لم لا نشرب كأسًا من الشاي الانكليزي الذي تحبه؟ سأضيف له بعض الأعشاب العطرية...وسنتحدث إذًا"
جلست بجانبه ، تأملته بسخطٍ و احتقارٍ وهو يسرد تلك التفاصيل المهينة عن غرامه الأحمقِ، عن مأساة عشق شابة يانعةٍ، تلاعبت بروحه حتى أوشكت أن تقتلهُ .
أمسك يدها للمرة الأولى منذ وقتٍ ما عادت تتذكره.
قبَّل تلك اليد بامتنانٍ وطلب مساحتها، فهي صديقته و رفيقة دربه وأمُ أطفاله، هو يريد رأيها الحصيف في هذا الشأن
سكبت له المزيدَ من الشاي و طلبت منه برفقٍ أن يتجرع كأسه الثاني. قال لها وقد بدا ناعسًا وهامدًا و شاحبًا
-لهذا الشاي طعمٌ غريب
قالت له وهي تمسد شعره متجاهلةً ألم عينها اليسرى بجلدٍ
-هذا شاي الفطور الانكليزي بعشبة الثيفتيا، سيساعدك على الاسترخاء يا عزيزي، لا تقلق سنجد حلَّا أعدك بذلك.
،أمسكت هاتفها المحمول و بدأت القراءة بتمعنٍ مرَّةً أخرى
يسبب نبات الثيفتيا التسمم البطيء الذي يؤدي لتوقف عضلة القلب بشكل مفاجئ…..
كنانة حاتم عيسى..٢٣ أكتوبر ٢٠٢٠
.........................
القراءة النقدية
....................
وهل جزاء الاحسان إلا الإحسان ؟
جملة استفهامية تقريرية، وقد حفل القرآن بالكثير من الجمل التقريرية..
لم بدأت حديثي بذكر جملة تقريرية؟...لسبب بسيط جدا ألا وهو أنّ النص- محل نقدي- اختتمته الكاتبة بجملة تقريرية، ودائمًا ما نعيب- كنقاد- على الكاتب استخدامه للجمل التقريرية، إلا إذا أجاد توظيفها في متن السرد، أو أن وجودها ضرورة لا غنى للنص عنها، وجملة الختام التقريرية تنتمي لهذا النوع الثاني ( الضرورة)، إذ أنّ حذفها ينتقص النص، ويصير مبهمًا، ويتساءل المتلقي ما الذي حدث، ولا يجد إجابة شافية.
أجادت الكاتبة استخدام التضاد والتوافق بشكل أذهلني حقيقة، فاختيارها لهواية الزوجة ( الاعتناء بالنباتات والزهور ) لم يكن محض صدفة، حتى وإن كان محض صدفة، فهى هواية وظفها النص كإشارة سيميائية بالغة الدلالة على جلد المرأة وصبرها وقوة أعصابها، وليتماهى ذلك مع ما أبدته من برودة أعصاب غير عادية، إذ لم يستغرق استيعابها للصدمة واتخاذها القرار إلا لحيظات، وأعدت كوب الشاي المخلص الشافي، كجزاء مناسب لجرم عظيم، من الضحية إذن ؟...الزوج المغدور به ؟..الذي أخلصت له وأفنت عمرها من أجله ووهبته حياتها ( لاحظوا معي عدم وجود أصوات أخرى كأبناء مثلا)، وربما تحملت عقمه وهى الأرض الخصبة، أرتضت ان تبور على أن لا تفارقه، فيقابل احسانها بإساءة، ويالها من إساءة!، زوج مغدور غدرت به أخرى فقتلته قبل أن تريحه زوجته الوفية من عذابٍ بدا وأنه سيستمر طويلا.
نست وجع العين اليسرى، وشردت للحظة في مشهدية حميمية عفا عليها الزمن، وأهال شريكها التراب عليها بعد أن دفنها، لتتحول في لحظة من النقيض إلى النقيض..من امرأة حنونة ناعمة تستقبل زوجها فاتحة ذراعيها، باشة الوجه، تجلسه، وتسارع بإعداد عشائه، وتنصت له مهتمة بتهدئته، ومساعدته على برئه مما يعاني ولم تعرفه بعد، إلى امرأة ثلجية، لها من الثلج برودته وصلابته وقسوته، وهدوءه أيضًا.
مشهدية رائعة ديناميكة، فلم يتوقف المشهد إلا للحظة، ألا وهى ذروته..لحظة الصدمة.
سرد متقن اتخذ منحى أفقي ثم وفجأة استقام صاعدًا لأعلى ليبلغ الذروة في جملة واحدة، ومن ثم يعود الى منهاجه الأفقي حتى يختتم بلحظة سكون لا حركة فيها إلا لبؤبؤي عينين تجريان على سطر ( لحظة التنوير ).
أسلوب سردي بلغة بسيطة ومعبرة دون تقعر، ليسرد نصًا متصلًا، متماسكًا لا حشو فيه ولا إطالة.
نصٌ حقق متعتي القص الخالدتين..متعة الوجدان العاطفي، ومتعة الذهنية في توازن جيد، لم يخل به فارق المساحة الممنوحة لكلٍ منهما.
نص جمع بين مشاعر تشظت وتضادت، وجمع بين السكون والحركة، وجمع بين رجل وامرأة، وجمع وجمع وجمع فأوفى....هل جزاء الإحسان إلا الإحسان...وهل جزاء الجريمة إلا العقاب.
فلا توبة بعد طلوع الشمس من مغربها، وها هنا طلعت شمس الزوج من مغربها، ورأتها الزوجة المغدور بها بأم عينيها.
..............
محمد البنا ٢٣ أكتوبر ٢٠٢٠
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق