سباحة الحياة
------------------
"ككل يوم مسكتها من يدها وقصدنا البحر لنسبح في مياهه العذبة وكان الطقس صيفيا حارا جدا. جلسنا على الشاطئ والجميع على ترابه وكأنه يوم الحشر حفاة عراة يغزوهم العرق أو الماء والحرارة المنتشرة في كل شبر من المكان...
أخذنا مكاننا بين الناس وتخلصنا من ادباشنا العادية لنبقى بملابس السباحة متى نطرت إليها ونظرت الي، مددت يدي فمدت يدها ووضعتها في يدي وتركنا قلوبنا تتخاطب وتتبادل المشاعر والأحاسيس ونبضاتهما تعدل في اوتارهما ويعزفان أحلى مقطوعة موسيقية مستمدة من الفؤاد مباشرة...
تقدمنا خطوة خطوة تجاه الماء ونحن نتبادل الحب والوجد الداخلي حتى لا يفتضح أمرنا أمام العامة، تقدمنا إلى أن شعرنا بمياه البحر تلامس أصابع رجلينا وتبعث من خلالها الشعور ببرودته النسبية التي افاقتنا من غفوتنا وارجعتنا إلى واقعنا المعاش.
شرعنا في التقدم والسباحة ونحن نشق فيالق السباحين والعاشقين والكل متعة وفرحة وبهجة واستمتاع بالبرودة وبهاء الماء وصفائه وتتالي الأمواج وتناسقها... ،تقدمنا وهي تمسكني من ذراعي وتقفز من حين لحين خوفا ورهبة من الماء والامواج فتضحك حينا وتصيح حينا آخر...
وماهي إلا لحظات حتى تعودنا على الجو وعلى الماء وتبللت أجسادنا بأكملها ولم يعد لبردوتها وقع علينا ولا للامواج شراسة أو قوة علينا، واستأنفنا الود والحب ونحن نسبح ونتقدم إلى الأمام ونبتعد عن الشاطئ بطبيعة الحال وقد اعتزلنا العالم ومن فيه فلم نعد نرى سوانا حينها...
فتقدمنا،وتقدمنا،وتقدمنا ولم نشعر أننا صرنا في أعماق البحر وحيدين لا ثالث بيننا (دون اعتبار الله، فهو معنا في السراء والضراء) سوى الشيطان وقدرنا المحتوم وما تخفيه الأعماق لنا، فالتفت إلى الوراء لأرى البسيطة بعيدة والشاطئ كذلك ومن عليه كالنمل بالنسبة لنظري بالنظر إلى بعد المسافة وقطعنا لمئات الأمتار دون الانتباه أو الاحتياط لذلك...
فشعرنا فعلا بالخطر وانقلب الحب إلى خوف والود إلى رجاء في النجاة والحياة والنظرات من عاشقة إلى شبه يائسة مناشدة للنجدة والخروج من هذا المأزق والاجساد من واثقة إلى مرتبكة... ،فاسودت الدنيا في أعيننا وبات كل شيء موضع السك والريبة بما اننا أمام مصيرنا المحتوم لا منقذ ولا منجد سوى الله وعمرنا إن مازال فيه بقية ونقدرتنا على السباحة والمقاومة والتحدي واليبر والتجلد....
ومنها، شرعنا في العودة وقلوبنا تنبض أيما نبض ووجوهنا محمرة والعرق يتصبب علينا ونحن في الماء، نحرك ايدينا وارجلنا بسرعة دون ملام او سلام غير قراءة ما تيسر من القرآن والدعاء لله الواحد الأحد سرا حتى لا يبرز كل طرف منا خوفه للآخر ويعري ضعفه ووهنه أمام هذا الوضع والنهاية الكارثية التي تنتظرهما....
فكانا يصيحان كلما مسا شيئاً ما - وهو في الحقيقة وسخ من أوساخ البشرية التي القوا بها سابقا- او ارتطما بقارورة او شيء آخر. وكانا يشعران بالفناء كلما تعبا وشعرا بضيق في التنفس وازدياد دقات القلب فينطق بالشهادتين ويغمض عينيه وكأنه يستسلم لقدره قبل ان يتماسك ويعيد التحدي والثقة بالنفس فيطفو على الماء ويواصل حملة دفاعه عن الوجود....
وبقيا كذلك بين مد وجزر لزهاء الساعة او يزيد وهما يصارعان الموت ويتحديانه بكل ما أوتيا من قوة وشجاعة وبأس، يتشجعان تارة ويستسلمان طورا آخر إلى أن وصلا إلى شاطئ الأمان والناس تشجع وترجو لهم السلامة والصحة والعافية وفيهم من سارع لانقاذهما بولوج الماء والسباحة نحوهما مخاطرا بنفسه وحياته، ومنهم من بقي يتفرج باهتا او داعيا لهما، ومنهم من دعا عليهما وتمنى غرقهما وموتهما لانهما تجاوزا المسموح به والعادات والتقاليد والاخلاق وتواريا عن الأنظار للقيام بالمحرمات - حسب هذه القلة-....
وفي الأخير، خرجا سالمين ورجعت لهما البسمة والفرحة والسعادة رغم تواجدهما في هذا الموقف المخزي السهيف ونظرات القاصي والداني لهما.... فلبسا ثيابهما وغادرا المكان على أمل العودة من جديد غدا بإذن الله.
تلك هي يا بني الحياة: انت وضميرك في مواجهة الحياة(البحر الفسيح باعماقه واخطاره وما فيه من ايجابيات وسلبيات) ومخاطرها يوميا، فإن كنت سباحا ماهرا غنمت منها وخرجت من يومك سالما في انتطار غدك ،وإن لم تكن كذلك غرقت في أعماق الحياة ونهشت لحمك حيتانها التي لا ترحم. "
_____________________________________
بقلم: ماهر اللطيف
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق