عقوق الوالدين
(الرجاء القراءة للآخر فالعبرة في الخواتيم)
--------------------
كانوا جالسين في خمارة يقارعون المحرمات ويتبادلون التفاهات ويخوضون باقذر العبارات في احاديث ومواضيع وضيعة غير ذات أهمية - وهم من نخبة المدينة ومناراتها المضيئه -، يصيحون، يغنون، يتشاجرون، يتساببون،...
وكان المكان ممتلئ بالسكارى من الجنسين وهواة المعتق من الخمر وغيره من المحرمات كالمخذرات والاقراص وسنوهما، لا تسمع فيه غير اللغو والصياح والسب والشتم وبذيء الكلام والأفعال والخروج عن المعقول وعن الإدراك...،
فكنت ترى هذا يترنح ويتساقط لا يفقه يمينه من شماله، وذاك يتقيء ويتوجع،وآخر يتبول على ملابسه في مكانه ولا يستطيع القيام أو الذهاب إلى بيت الراحة، وآخر يبكي لحظة ويضحك لحظة أخرى وهو يحكي مع نفسه، وآخر يأتي الفواحش مع بنت لا يربطها بجنس الإناث غير النسب إلى الجنس، وآخر يجري ليهرب من الخمارة حتى لا يدفع ثمن "السم " الذي كان يحتسيه،... وآخر ،وآخر ،وآخر.... ،كل له حكاية وحكاية وتراه في موقف وموضوع يندى له الجبين...
فالمكان قذر قذارة منتوجاته وروائحه الكريهة وبعص رواده، لا يبعث على الحياة أو الامل او السعادة أو أي منهل من مناهل الحياة، ورغم ذلك كان ممتلئا امتلاء ملعب كرة قدم يوم مباراة كلاسيكو في بلد ما... ،
فدخل على الجمع شيخ كثيف اللحية منحني الظهر بالي الملبس والمظهر استعمر رأسه وذقنه الشيب، منتعل شبه نعلين جد قديمين ومهترئين، نحيل الجسد، شاحب الوجه... ،
شرع في طلب العون من السكارى بصوت خافت متردد يكاد يكون غير مفهوم، يعلو محياه الحياء لولا الفاقة والحاجة والجوع والعطش وغيرها....
فكان يسمع ما يكره من الكلام والعبارات الكريهة والبذيئة بذاءة ناطقيها كلما قصد أحدهم في أغلب الأحيان وهو دامع القلب، حزين الوجدان، بائس الضمير، منكسر الذات، محمر الوجه... ،وقلبه يخفق خفقانا سريعا من الريبة والخوف وخشية المصير.... ،
فيما كانت اقلية تمن عليه بالأكل والمال والكلم الحسن ومحاولة العون وطلب المساعدة وكثرة الوعود... ،وهو ما جعله يحمد الله ويشكره باستمرار دون توقف غير عابئ بما يسمعه من عبارات مخلة للحياء وما يراه من مشاهد غير اخلاقية وحتى بحبات الزيتون التي كان نزر من الحضور يرمونه بها وببقايا الطعام أيضا... ،حتى كاد يخرج من الخمارة حين مسكه أحدهم من يده وأصر على إيقافه في مكانه رغم محاولة العجوز تحرير يده بغية الهروب ومغادرة المكان.
فما كان من ماسكه إلا أن نهض - ومازال يمسكه - وهو يبتسم في وجهه ويدعوه للجلوس بجواره على مائدته ومن معه من ندمائه الذين الحوا على ذلك أيضا، فلم يجد بدا غير مقاسمتهم المائدة وتوسطهم متى اهدوا له ما لذ وطاب من الطعام والماء - بعد رفضه شرب ما يشربون من عصير العنب - وبعض المشروبات الغازية وهو يتحاور معهم ويشاركهم منابرهم ومواضيعهم التافهة أحيانا والهادفة أحيانا أخرى حتى عرف انه في حضرة نخبة من الناس وخيرة من نوابغ المدينة وسادتها بعد الشروع في التعارف بعد ملئ البطون وسقي العروق والشرايين وارتخاء العقول والاجساد...
ومنها،سأله أحدهم عن نفسه، فقال :
_ أنا سعيد بن سالم أحد أعيان المدينة وشريف من شرفائها، نبيل من نبلائها، كريم من كرمائها... (فقاطعه ثاني وهو يقهقه ويحكي بصوت مرتفع)
_ يا سعيد، نحن من يسكر ولست أنت، (يواصل الضحك ويلتفت إلى ثالثهم) يبدو أنه سكر من رائحة الخمر هههههه، (وهو يضحك ضحكة مصطنعة وشديد الغضب في الداخل)
_ لم اسكر بني بل هذا الواقع، لك الحق فيما ذهبت إليه بما ان الامر لا يستقيم، فكيف اكون كما قلت وانا كما ترون مغايرا تماما لما ادعيته. (يشرب قليلا من الماء ويمسح العرق المتصبب من جبينه) فأنا فعلا من قلت لكم، أتممت دراستي وتحصلت على الدكتوراه في الأدب الإنجليزي، عملت في الجامعة بعد أن تجوزت وأنشأت عائلة متكونة مني ومن قرينتي وابنين، كنا يدا واحدة نعيش الرفاه ورغد العيش فحسدنا القريب قبل الغريب وتلاعبت بنا السن الناس وبتنا حديث القاصي و الداني... (والجميع انتباه شديد وتسمر في وجهه وكلهم شغف بمعرفة بقية السرد والحكي)، فخرجت زوجتي ذات يوم وابناها لقضاء شأن من الشؤون.... ولم يعودوا إلى اليوم. (سكت هنيهة واخذ قليلا من الماء ليبل ريقه حين لمح تغير لون الوجوه إلى الشحوب بعد الاحمرار والعطش بعد الارتواء والخوف بعد الثقة.... ،فابتسم ورتب على فخذ من بجانبه برفق وواصل) فالموت كان أسرع من الحياة حين اختطفهم وحرمني منهم للأبد بعد أن قاموا بحادث مرور وانفلاق عجلة السيارة اليسرى الأمامية وعدم تحكم زوجتي في الموقف وانقلاب السيارة وتصادمها مع شاحنة كبيرة قادمة في الاتجاه المعاكس، ومنها انقلبت حياتي انقلابا كليا وتدمر كل بناء إلى أن خسرت عائلتي فعملي جراء كثرة الغيابات والتهاون وعدم المقدرك على التدريس، ثم أبي وأمي الذين افلسا وباعا كل ما نملك لتسديد ديوني جراء التخريب والتكسير والاعتداء بالعنف على الأشخاص والأماكن التي مررت بها كلما تذكرت عائلتي أو شتمهم أحد ... (والدموع تنهمر وصوته يتقطع ويخفت شيئاً فشيئا، مما حدا بحاره مسح دموعه وتقبيله من خده وضمه اليه قائلا)
_ نتاسف أبي عن هذا الحديث، بإمكاننا تجاوز الأمر وتغيير الموضوع حتى لا نقلب المكان إلى مأتم ونزيد حرقتك ولوعتك... (والشيخ يبكي وسماء عينيه تمذر مدرارا)
_ لك الحق بني، لنغير الحديث...
ورجعوا إلى اللهو والمجون حتى قال أحدهم وهو ينظر إلى ساعته:
_ حان وقت مغادرتي المكان، فامي وحيدة والليل اسدل ظلامه وهي غير قادرة على البقاء دون رفيق، فهي مقعدة كما تعلمون وأختي ستتركها بعد بضع دقائق لتلتحق بزوجها وابنائها... (اضطر للسكوت ما إن لاحظ بكاء الشيخ من جديد بكاء بسخاء وبصوت مرتفع)، ما خطبك يا نديمنا؟ ما ابكاك من جديد؟
_ آه (صمت مطبق)، ذكرتني بني في أكبر معصية ارتكبتها في حياتي، واظنني اجني ثمارها الآن قبل الغد... ،فقد كنت عاقا لوالديا، متأففا منهما،سارقهما باستمرار،ضاربهما احيانا...، لكنهما كانا صابرين، داعيين لي بالهداية، واقفين إلى جانبي في السراء والضراء كما قلت لكم، لكني كنت متمردا عليهما وعاقا لهما أكثر فاكثر من الصغر إلى أن تشردا جراء افعالي وتراجعت صحتهما حتى ماتت أمي واجبرت أبي على ولوج دار العجز بعد اهانته وضربه مرارا وتكرارا وجبره على التسكع ليعيش ويوفر دواءه قبل أن يموت هو أيضا إثر نوبة قلبية واجد نفسي وحيدا اجني ثمار افعالي بعد أن تنكرت لقوله تعالى "وقضى ربك ان لا تعبدوا إلا إياه وبالوالدين إحسانا اما يبلغن عندك الكبر أحدهما أو كلاهما فلا تقل لهما اف ولا تنهرهما وقل لهما قولا كريما"...
__________________________________________
بقلم: ماهر اللطيف
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق