#محراب_عينيكِ
#صفاء_حسين_العجماوي
*٢*
ما أن أنفصلت رأس السائق عن جسده، حتى فارت دمائه الحارة لتخضب قماش العربة الأبيض بحمرة الموت، وتندفع رائحة صدئه وسخونته لتثير جنون الخيل التي أصبحت بلا صاحب، فبدأت تتخبط في ركضها المحموم، كراقص مخبول يوشك أن يقع بعد أن ألتفت ساقيه على بعضها. في حين أبطأ الفارسان خطوتين ليشاهدا سقوط العربة الوشيك باستمتاع رهيب.
داخل العربة كان يجلس ثلاثة رجال على مقعد مقابل الفتحة الخلفية المواجهة للطريق يتندرون على حال أهل السوق الذي أتو منه، معطين ظهورهم لامرأتين أحداهما ترضع صغيرها، والأخرى تتوسط الأمتعة غارقة في أحلام يقظتها التي تنبأها بدنو فارسها الذي سيخطفها على فرسه الأبيض ليلبسها زي العرس لتصبح أجمل عروس في مملكة أندلو. أرتبك الجميع مع وقع سنابك الخيول وبداية المطاردة فأمسك الرجال بخناجرهم بقوة وهم يترنحون من فرط اهتزاز العربة، بينما ضمت المرأة وليدها برعب وهي تدعوا الله أن ينجيهم، وتمنطقت الأخرى بخنجر وسيف ورفعت الستار الذي يفصلها عن السائق بعد أن لطخت بدمائه، وقفزت نحو الجياد لتمسك بلجامها وتصب فيها من حزمها ليعود بعض الرشد للجياد، فتنطلق كالسهم نحو باب المدينة الأزرق مدينة غرنو عاصمة المملكة.
شاهد الفارسان الجياد التي أخذت تندفع نحو مدينتها، دون أن يعرفا السبب، فأسرعا نحو العربة فلحق صاحب الفرس الأسود بمؤخرتها، وببضع ضربات فارس مغوار قتل الثلاثة رجال دون أن يستخدم أحدهم سيفه، بينما أندفع الثاني نحو مقدمتها ليجندل الفارس الذي يسوس الجياد، فإذا بالذهول والغضب يتملكه، حين وجد سائقها مجرد امرأة ترتدي عباءة وردية مطرزة، وتغطي رأسها ووجها بقماش أبيض مزركش، فسبق جيادها بسرعة وعاد أدراجه نحوها كأنه سهم أفلت من قوسه برمية رامي محترف ليمسك بنقابها بيده اليسرى لا تحمل السيف فيكشف وجهها وتتلاقي العيون. عينين بنية مكحلة برموشيها الكثيفة الطويلة لصاحبة بشرة خمرية، تتبارز بشراسة مع عينين رماديتين ذات رموش سوداء قصيرة لصاحب بشرة محمرة من فرط جهد صاحبها. مر فرسه من جوار العربة بسرعة، فاستدار به ليعود ليجدها تقف باتزان على ظهر جوادي العربة ويلتف زمامهما على يدها اليسرى، وفي يدها اليمنى تشهر سيفًا حديديًا مصقول تنعكس أشعة الشمس عن نصله، ذو مقبض مطعم بالعاج. بهت وأنبهر الفارس صاحب الفرس الأشهب، ولكنه استفاق ببطء، وأراد إذلالها قبل قتلها، فأسرع نحوها وأمسك بغطاء رأسها بحدة فينزعه، ليكشف عن شعر طويل بني مموج مضفر، بينما شق سيفها طريقه نحو كتفه، فيصيبه فوق قلبه ببضع سنتيمترات، ليسقط عن فرسه، متدحرجًا، وهو ممسك بغطاء رأسها بشدة. انتبه صاحبه لسقوطه، فترك العربة التي كان ينوي اقتحامها، ولكز فرسه ليسرع نحوه، فأستغلت المرأة تلك الفرصة ونهبت الأرض في اتجاه الباب الذي انتبه حراسه لها، ففتحوا الباب على مصرعيه لتندفع العربة بسرعة البرق مجتازة الباب في لحظة قبل أن يغلق الحراس الأبواب ويرسلوا في استدعاء الفرسان.
#يتبع

ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق