السبت، 20 فبراير 2021

في زمن أبو منهل بقلم // ربيع دهام

 ( في زمن  أبو منهل)


تأخّرَ "أبو منهل"  عن صياحه نصف ساعة ، فتأخرّت الشمس عن شروقها ثلاثين دقيقة.

صرخت الشمس بغضبٍ وهي تعقد ربطة حذائها :

" ما بكَ يا أبا منهلٍ؟ عيّرتُ استيقاظي على منبّه صياحك فخذلتني؟ "

أجابها أبو منهلٍ ، شاهراً عُرْفَهُ بوجهها :

 " أنا الذي يحق لي أن أغضب. عيّرت صياحي على مقياس صباحكِ فخذلتِني ".

سمعهما دوّارُ شمسٍ وهما يتشاجران ، فصرخ بالشمس : 

" وقفت هكذا مثل المومياء أنتظر تحرّككِ لكي أدور ، لكنك تأخرّتِ عن موعدكِ نصف ساعةٍ ، فخذلتني حتى كادت رقبتي أن تتخشّب من الجمود".

أجابته الشمس : " لا توجّه غضبك عليّ. الديك هو المسؤول عن ذاك. إغضب عليه هو ".

ردّ الدُوّار: " وما ذنب أبي منهلٍ؟ أنا أدوزن إيقاع تحرّكي على عزفك أنتِ لا على عزف  دييييك! ".

احتجّ أبو منهل بعنف : " ديييك؟ وماذا تقصد بـِ  دييييك؟ أتستخفّ بالديك يا  دوّار؟ ".

انتصب الدوّار مستشرساً  : " وحدُك دوّار.

 تدور على الدجاجات ، وتتزّوج منهما اثنين وأكثر. ولا تكتفي أبداً بدجاجة واحدة ".

أجابه الديك : " إهتم أنت بشأنك. ودع شأني لي

أما كفاني اتهامات الشمس؟".

فبادرته الشمس : 

 عُد إلى قنِّك قبل أن أجرحك أكثر بكلامي ، فتزعل مني زوجتك الأولى أم فايز ، والثانية أم أحمد ،  والثالثة ، أم سجيع" . 

واحتدم الخلاف بين الدوار والديك والشمس.

 فجأة يصيح بهم الكائن الإنساني ، أبو ملحم ، مالك أكبر بناية في الحي :

" أنت!  وأنت! وأنت!  أرجوكم إخرسوا جميعاً. إسكتوا ولا تنطقوا. واتركونني بهناءٍ أنام.

هذه البناية ملكي. ملكي أنا فقط. فلا تُدخلوا أنواركم وأصواتكم إلى هنا. أسمعتم؟".

استفز كلام أبو ملحم الديك ، فصاح :

" هذه البناية ملككَ؟ ولماذا نقشتَ عبارة " الملكُ لله" على رخامها إذن؟ حيّرتَنا. من المالك؟ أنت أو الله؟".

"وما الفرق؟" ، قال أبو ملحم. 

ثم أرفق سؤاله  بتهديد جديد : " عودوا إلى صمتكم وإلا".

" ومن أنتَ لكي لتهدّدنا؟ " ، صرخ الديك أبو منهل.

" من أنا؟ أنا سيّدكم الإنسان" ، ردّ أبو ملحم.

فوراً صاح أبو منهل : " ومن تظن نفسك أيها الإنسان؟ وكيف نصّبت نفسك سيّد الكون؟ ".

" بل أنا محور الكون" ، أجاب أبو ملحم.

" أيها المغرور المتعجرف المتعالي؟ قد تكون محور زوجتك بهيجة. لكن بالتأكيد لستَ محور الكون. ألم تقرأ كتب الفيزياء؟ هل تعرف كم مجرّةٍ يوجد؟  وهل تدرك عدد الأكوان الموجودة؟ إذهب واقرأ قليلاً. وكفاك جهلاً وتكبّراً. أنت ومجرّتك لا تساويان نقطة ماء صغيرة في محيط الكون الواسع".

زمجر أبو ملحم بصوتٍ يشبه هدير الطيران : 

" أسكت وإلا ذبحتك".

رد الديك : " وماذا تفعل غير ذلك؟ تذبح. تقتل. تقطع. تلوّث. تكذب. تنافق. تثرثر. تدّعي المحبة والحب".

قهقه أبو ملحم مستهزئاً : " أنت تتكلم عن الحب؟ ألم تتزوج ثلاثة دجاجات أيها الرومانسي المُتيَّم؟ أتحب زوجاتك بالتساوي؟ ها؟ هيا أخبرني"

أجابه أبو منهل : 

" هذا ليس من شأنك. لك شريعتك وطقوسك ولي شريعتي وطقوسي. وعندما أتحرّش بنسائك تعال أوقفني".

" أيها النجس اللعين. سأذبحك إن ألقيتَ نظرةً واحدة على نسائي" ، ردَّ أبو منهل.

" أتهددني بالذبح أيها المؤمن الكذوب؟ ".

رمقه أبو ملحم بغضب : " أنا كذوب؟َ!" 

وأكمل أبو منهل حديثه :

 " نعم نعم. وتظنّني لا أعرف؟ كلُّنا في الحي يعرف. تدّعي الإيمان بالله وأنت لا تؤمن إلا بالمال 

والعقارات ".

أجابه أبو ملحم : 

" إخرس يا صاحب الريش المنتوف. أتغار من عقارات أملكها يا مالك عقار "القن"؟  ومن يأبه لك إن كنتَ تعرف أو لا ".

ردّ أبو منهل : 

" من يأبه لي؟ طبعاً لم تعد تأبه لي. بوجود الساعة الإلكترونية ، لم يعد يهمّك صياحي. أنت هكذا أيها الإنسان ، تصادق الكائنات بسبب مصلحة شخصية. 

ثم تدّعي زوراً أنك أعلى الكائنات؟ صدِّقني أنت أبشعها ".

" الله جعل الإنسان على صورته " ، قال أبو ملحم. 

"على صورته؟  تقصد صورة عزرائيل" ، أجاب أبو منهل.

" تكتّم أيها الديك اللعين. وإلا سبيتُ نساءك وهجّرت صيصانك. واغتنمتُ قنّك".

" هيا. أكمل. إظهر ما أنت عليه. ألم أقل أنك شبيه عزرائيل؟".

واحتدم الشجار بين الديك والإنسان.

ثم تدخلت الشمس. تبعها دوار الشمس.

تبعهما معول فلاح كان يحرث حقله.

تبعهم قطيعٌ ذاهب إلى المراعي أزعجته المشادات الكلامية هذه.

واشتبكت الأصوات ببعضها بعضاً.

الشمس قالت : ليتني لم أشرق.

والديك صاح : ليتني لم أصيح.

والدوار قال : ليتني لم أدور.

والإنسان قال : ليتني لم أستيقظ.

والمعول قال : ليتني لم أحرث.

والقطيع قال : ليتني لم أرع.

وعلى وقع  كلمات " ليتني" ، استيقظتُ أنا من حلمي  قبل صياح المنبّه الإلكتروني قرب رأسي.

جلستُ على فراشي. ما هذا الحلم العجيب؟

 نقلني النعاس بصعوبةٍ نحو شباك غرفتي. أزحت الستارة يميناً.  

جدران بجدران بجدران.

لا فجراً أنظر إليه ، ولا دوّار شمسٍ أرمقه ، ولا معولٌ يحكي ، ولا ديكٌ يصيح.

"يا لكآبة هذه المدينة الحزينة ".

صاح المنبّه الإلكتروني فتذكّرتُ صياح أبو منهل.

لفحني هواء المكيّف البارد ، فقلت : "ومن يريد الشمس؟".

رمقتني زهرة إصطناعية كانت في مزهرية ، فأقنعتُ نفسي : "على الأقل لا تثرثر مثل الدوّار".

نظرت لصورة بقرة أعلّقها على الحائط ، ففكّرت بالقطيع في المراعي.

قد لا أعود إلى تلك الحياة لو خيّروني.  اعتدتُ حياتي الإلكترونية الإصطناعية والدليفري وكبسة الزر هذه.

لكن شيئاً ما كان دغدغني من الداخل. 

شعرتُ بحنينٍ كبيرٍ إلى أيام البساطة تلك.


( بقلم ربيع دهام)

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق