الخميس، 4 فبراير 2021

قصة : حبّ ميّتٌ بقلم // لخضر توامة

 قصة : حبّ ميّتٌ

كنت وحيد والديّ ، بعد زواج دام عشر سنوات ، أتيت بعد عراك مع العلاج لكيلهما أثمر عن ولد جميل الصورة ، أحبّاني والدي حبّا شديد ، منحا لي كل شيء إلا الإخوة لم يكن بأيديهما شيئا حتى يحققا مطلبي ، كبرت وحيدا ، حتى في المدرسة ،  أحبّ العزلة لأني رأيت زملائي يفعلون أمورا لا أحبّ أن أشاركهما ، حاولت التقرب إلى الجنس اللطيف ، نجحت مرة وفشلت مرارا.

هل يمكن لي أن أصنع صديقة تروق لي ؟ تساءلت ماذا ينقصني؟ مجرد حظ سيّئ مع الطرف الآخر، كنت أريد أن أفتح حوارا مع أي فتاة ، لكن لم أفلح بمجرد كلامي معها ، تمشي وتتركني وحيدا.

 كنت أغشى المنتديات والحدائق ، أبحث عن نصفي الآخر، لعلّ صنارتي تعلق بواحدة ، ذات يوم وأنا جالس في الحديقة أتأمل جمال الطبيعة وأسمع زقزقة العصافير وهي تبدو اثنين اثنين ، تمنّيت أن أصبح عصفورا حتى أجد ضالّتي ، وأنا غارق في التفكير ، إذ حاسة الشم تنقل إليّ رائحة عطر، لم أشمّه من قبل التفت إلى جهته وجدت فتاة تشاركني في المقعد ، نظرت إليها بادلتني بابتسامة عريضة ، خفق قلبي رددت عليها بابتسامة ، حييتها ردت تحيتي ، فتحت معها حوارا ، عرفت أنها كانت مسافرة مع أهلها منذ العام الماضي  وعادت إلى مدينتها التي أحبّتها. قلت لها : حتى أنا أحببتها ولا أرى بديلا لها.

قلت : هل تأتين إلى هذه الحديقة دائما؟

قالت : كنت آتيها من قبل واليوم زرتها بعد عودتنا أمس إلى منزلنا

قلت : أنا مدمن على هذه الحديقة ، يعجبني هدؤها وهواؤها وموقعها.

قالت : أنت عاشق لها ، فهل تركت مكانا لواحدة من روّاد الحديقة؟

قلت : قلبي يتسع للحديقة وروّادها ،فأنا أبحث عن صديقة تفهمني وأفهمها لنتواصل معها.

قالت : ربما تجد واحدة تفهمها

قلت : وأنت أليس لك صديق؟

قالت : أنا جديدة ، كنت غائبة عنها ، اليوم أزورها.

قلت : ألا تجديني صديقا لك؟

قالت : بلى قد نتصادق ، الأيام كفيلة بذلك.

قلت : لكن لم أتشرف باسمك؟

قالت : اسمي سماح

قلت : متشرف باسمك ، حميل ، من السماحة ، وأنا أسمي رضا سماني والدي بهذا الاسم لأني وحيدهما بعد عشر سنوات من زواجهما ، ولما جئتهما قال الطبيب لوالديّ : لا حمل بعد اليوم ، قالا : (رضينا)  فكان اسمي تعبيرا عن قناعتهما ورضاهما.

قالت : يا لها من قصة مؤلمة. ونهضت من مكانها تريد العودة إلى منزلها الذي لم يكن بعيدا عن الحديقة ، وتواعدنا على اللقاء مرّة أخرى.

كنا نلتقي في مقعدنا الذي شهد أوّل لقاء بيننا أسبوعيا ، حتى أنها عرّفتني على منزلها  بطلب مني ، بعد إلحاح لا أعرف سببه ، حتى روّاد الحديقة ألفوا حضورنا كل أسبوع.

وذات يوم حضرت كعادتي ، انتظرتها لم تأت ، ذهبت إلى منزلها ، دققت الباب ، خرجت شابة وسألتني عم أريد ؟

قلت : سماح هنا

قالت : لا ، سماح سافرت وفي المساء تعود.

قلت : من أنت؟ 

قالت : أختها ندى 

لقد كانت تشبه سماح إلا إنها بدينة عنها.

ولما التقيت بها قلت لها : ذهبت إلى منزلكم وخرجت أختك ندى وأخبرتني أنك مسافرة.

قالت بتعجب : ندى أختي !

قلت لها : نعم  هي قالت لي 

قالت : صحيح أختي ندى ولكنها ميّتة منذ سنة.

اقشعرّ بدني وقلت : ميّتة منذ عام وسكت على مضض ، وأنا لم أصدّق ، وافترقنا بسرعة وأنا أفكّر فيما قالته لي وفيما شاهدته وعزمت على زيارة منزلهم فجأة.

دققت الباب ، فانفتح وبرزت امرأة وقفت وقالت : ماذا تريد؟

قلت لها : أودّ أن أتحدث معك في شأن ابنتيك ( سماح وندى) اسمي رضا صديق سماح.

قالت : ولكن ابنتيّ توفيتا منذ عام.

قلت وأنا لا أصدّق : منذ عام توفيتا.

أغلقت الباب ، عدت  وأنا أكلّم نفسي ، كيف تكون معي كل أسبوع وهي ميّتة منذ عام ، والتقيت بأحد الشباب وأنا لم أبعد عن المنزل .

قلت له : من فضلك أريد أن أسألك سؤالا.

قال : تفضل 

قلت : أنت تسكن في هذا الحيّ منذ مدّة طويلة

قال : منذ ولدت وأنا عندي ثلاثون سنة

قلت : أخبرني عن سكان ذلك المسكن.

قال : سكّانه ماتوا منذ عام في حادث سيّارة جميعا : بنتان والأب والأم.

قلت : كيف وأنا كنت أتحدث مع الأم؟

انخلع ومشى لا يلوي على شيء ، بينما أنا بقيت في مكاني أجترّ ذكرياتي مع بنت ميتة وأندب حظي الذي لم يفلح مع الأحياء فكيف يفلح مع الميّتين

 · لخضر توامة // الجزائر

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق