قصة : حبّ ميّتٌ
كنت وحيد والديّ ، بعد زواج دام عشر سنوات ، أتيت بعد عراك مع العلاج لكيلهما أثمر عن ولد جميل الصورة ، أحبّاني والدي حبّا شديد ، منحا لي كل شيء إلا الإخوة لم يكن بأيديهما شيئا حتى يحققا مطلبي ، كبرت وحيدا ، حتى في المدرسة ، أحبّ العزلة لأني رأيت زملائي يفعلون أمورا لا أحبّ أن أشاركهما ، حاولت التقرب إلى الجنس اللطيف ، نجحت مرة وفشلت مرارا.
هل يمكن لي أن أصنع صديقة تروق لي ؟ تساءلت ماذا ينقصني؟ مجرد حظ سيّئ مع الطرف الآخر، كنت أريد أن أفتح حوارا مع أي فتاة ، لكن لم أفلح بمجرد كلامي معها ، تمشي وتتركني وحيدا.
كنت أغشى المنتديات والحدائق ، أبحث عن نصفي الآخر، لعلّ صنارتي تعلق بواحدة ، ذات يوم وأنا جالس في الحديقة أتأمل جمال الطبيعة وأسمع زقزقة العصافير وهي تبدو اثنين اثنين ، تمنّيت أن أصبح عصفورا حتى أجد ضالّتي ، وأنا غارق في التفكير ، إذ حاسة الشم تنقل إليّ رائحة عطر، لم أشمّه من قبل التفت إلى جهته وجدت فتاة تشاركني في المقعد ، نظرت إليها بادلتني بابتسامة عريضة ، خفق قلبي رددت عليها بابتسامة ، حييتها ردت تحيتي ، فتحت معها حوارا ، عرفت أنها كانت مسافرة مع أهلها منذ العام الماضي وعادت إلى مدينتها التي أحبّتها. قلت لها : حتى أنا أحببتها ولا أرى بديلا لها.
قلت : هل تأتين إلى هذه الحديقة دائما؟
قالت : كنت آتيها من قبل واليوم زرتها بعد عودتنا أمس إلى منزلنا
قلت : أنا مدمن على هذه الحديقة ، يعجبني هدؤها وهواؤها وموقعها.
قالت : أنت عاشق لها ، فهل تركت مكانا لواحدة من روّاد الحديقة؟
قلت : قلبي يتسع للحديقة وروّادها ،فأنا أبحث عن صديقة تفهمني وأفهمها لنتواصل معها.
قالت : ربما تجد واحدة تفهمها
قلت : وأنت أليس لك صديق؟
قالت : أنا جديدة ، كنت غائبة عنها ، اليوم أزورها.
قلت : ألا تجديني صديقا لك؟
قالت : بلى قد نتصادق ، الأيام كفيلة بذلك.
قلت : لكن لم أتشرف باسمك؟
قالت : اسمي سماح
قلت : متشرف باسمك ، حميل ، من السماحة ، وأنا أسمي رضا سماني والدي بهذا الاسم لأني وحيدهما بعد عشر سنوات من زواجهما ، ولما جئتهما قال الطبيب لوالديّ : لا حمل بعد اليوم ، قالا : (رضينا) فكان اسمي تعبيرا عن قناعتهما ورضاهما.
قالت : يا لها من قصة مؤلمة. ونهضت من مكانها تريد العودة إلى منزلها الذي لم يكن بعيدا عن الحديقة ، وتواعدنا على اللقاء مرّة أخرى.
كنا نلتقي في مقعدنا الذي شهد أوّل لقاء بيننا أسبوعيا ، حتى أنها عرّفتني على منزلها بطلب مني ، بعد إلحاح لا أعرف سببه ، حتى روّاد الحديقة ألفوا حضورنا كل أسبوع.
وذات يوم حضرت كعادتي ، انتظرتها لم تأت ، ذهبت إلى منزلها ، دققت الباب ، خرجت شابة وسألتني عم أريد ؟
قلت : سماح هنا
قالت : لا ، سماح سافرت وفي المساء تعود.
قلت : من أنت؟
قالت : أختها ندى
لقد كانت تشبه سماح إلا إنها بدينة عنها.
ولما التقيت بها قلت لها : ذهبت إلى منزلكم وخرجت أختك ندى وأخبرتني أنك مسافرة.
قالت بتعجب : ندى أختي !
قلت لها : نعم هي قالت لي
قالت : صحيح أختي ندى ولكنها ميّتة منذ سنة.
اقشعرّ بدني وقلت : ميّتة منذ عام وسكت على مضض ، وأنا لم أصدّق ، وافترقنا بسرعة وأنا أفكّر فيما قالته لي وفيما شاهدته وعزمت على زيارة منزلهم فجأة.
دققت الباب ، فانفتح وبرزت امرأة وقفت وقالت : ماذا تريد؟
قلت لها : أودّ أن أتحدث معك في شأن ابنتيك ( سماح وندى) اسمي رضا صديق سماح.
قالت : ولكن ابنتيّ توفيتا منذ عام.
قلت وأنا لا أصدّق : منذ عام توفيتا.
أغلقت الباب ، عدت وأنا أكلّم نفسي ، كيف تكون معي كل أسبوع وهي ميّتة منذ عام ، والتقيت بأحد الشباب وأنا لم أبعد عن المنزل .
قلت له : من فضلك أريد أن أسألك سؤالا.
قال : تفضل
قلت : أنت تسكن في هذا الحيّ منذ مدّة طويلة
قال : منذ ولدت وأنا عندي ثلاثون سنة
قلت : أخبرني عن سكان ذلك المسكن.
قال : سكّانه ماتوا منذ عام في حادث سيّارة جميعا : بنتان والأب والأم.
قلت : كيف وأنا كنت أتحدث مع الأم؟
انخلع ومشى لا يلوي على شيء ، بينما أنا بقيت في مكاني أجترّ ذكرياتي مع بنت ميتة وأندب حظي الذي لم يفلح مع الأحياء فكيف يفلح مع الميّتين
· لخضر توامة // الجزائر
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق