#محراب_عينيكِ
#صفاء_حسين_العجماوي
-٥-
ركب فخم مكون من ثمانية حراس راجلين يرتدون زيًا فضفاضًا من الحرير الأزرق ومدرعين بالجلد المدبوغ، وعلى خاصرتهم تتدلي الأحزمة الجلدية معلق بها سيوف برونق السيوف الدمشقية، وخناجر فلاذية مطعمة مقابضها بالعاج والأصداف على هيئة أطباق نجمية، وعلى رؤوسهم عمائم رمادية لها ذراع يلثم الوجه. يسيرون في صفين متوازيين، أربعة في المقدمة، ومثلهم في المؤخرة، وفي المنتصف ثلاث خيول أوسطهم رجل بهي الطلعة تجاوز الخمسين من عمره، يرتدي عباءة حريرية زمردية اللون مطرزة بخيوط من الذهب والفضة، ويعتمر عمامة كبيرة من الحرير الأبيض الؤلؤي يتوسطها زمردة كبيرة وريشة طاووس متعدد الألوان، وعلى جانبيه حارسان يرتديان مثل الحرس الراجلة ولكن يعلو عمامتيهما ريش أبيض دلالة على رتبتهم الخاصة. يتحرك الركب بسرعة متوجه إلى حيث الجموع المحتشدة عند مدخل السوق. شق الركب الجموع المتحلق بحزم وترجل الرجل الخمسيني وحارسيه، وسأل بنبرة متعالية تدل على مكانته المرموقة: ما الذي يجري هنا يا مالك بن وائل؟
اعتدل قائد الحرس ووقف في حزم عسكري، وأجابه بسرعة ودون الخوض في التفاصيل المؤلمة: لقد عادت ابنتكم الأميرة صفية يا سيدي الوزير زيدون.
تقدم الوزير برزانة فجرت نحوه ابنته وزوجة ابنه الراحل. فزع من مظهر زوجة ولده والدماء التي تغرق صدرها، فهتف بجزع: سمية يا ابنتي ما الذي حدث؟
لطمت سمية خديها بقوة، وهي تسقط لتفترش الأرض، وقالت: قتلوا رضيعي يا أبي. قتلوا غالب، قذفوه بخنجر شق قلبي قبل قلبه.. قتله فرسان قيشو غدرًا.. آه يا وليدي.
تجمد الوزير زيدون من الصدمة، فها هو ذا حفيده الوحيد يقتل كما قتل ابنه الراحل غدرًا على يد رجال قيشو، ولكن يا للخسة والنذالة، يقتلون رضيعًا لم يعرف من الدنيا سوى حليب أمه.
ارتفع نحيب سمية، ونواحها وهي تولول: آه يا قرة عيني، يا وليدي.. ليتني ما ترك أهلي بوادي آش... ليتني انتظرتك تكبر لتصبح فارسًا صنديدًا تأخذ بثأر والدك. ها أنت ذا تلحق به قبل أن تمتلئ عيني بك.
ثم بدأت تمزق شعرها بتبكي بحرقة مزقت نياط قلبها. اندفعت نحوها صفية تهدئها، بينما ركض سالم ليحضر غطاء رأس وعباءة نسائية من متجره ويعطيها لصفية لتستر زوجة أخيها.
نفض الوزير عن رأسه الصدمة وتحرك نحو الحارس الذي يحمل جثة حفيدة، وحمل جثته بين ذراعيه وسمح لدموعه أن تغرق وجنتيه، وتبلل لحيته المختلط بياضها بسوادها، ونعاه بصوت مكسور: أيا روح جدك الغالي، وسليل آل يزيد، وأخر رجالها. برحيلك انطفأت شمس عائلتنا التي سطعت لخمسة قرون، وجف نسلنا، وسيطوي التاريخ صفحتنا، لقد أغلق كتاب آل زيد للأبد.
ثم أمسك بالخنجر الذي سلب روح غالب، وقرأ ما نحت على نصله "من ثيو إلى ليو"، شعر بقبضة تعتصر قلبه، ثم نظر إلى وجه حفيده الخالي من الحياة وقال بحسرة: أغتالتك يد هذا الليو قبل أن تنعم المروج بخطواتك وأنت تلعب مع أصحابك، قبل أن يقبل الصباح عليك وأنت في ساحة تدريب الفرسان، قبل أن تمسك بالريشة تكتب، والقيثارة تعزف، وبالسيف تزلزل قلوب الرجال. وها أنا ذا شيخ مكتنز اللحم لا أجيد الأمساك بالسيف لأخذ بثأرك وثأر أبيك... آه يا حفيدي من لي بفارس يأخذ بثأرك، ويطفئ ناري ونار أمك.... من.. من.. من.
وقفت صفية بشموخ وعزة تمسح دموعها، وتشهر سيفها بيمناها، وهتفت بحزم: أنا يا أبي.. أعاهدك أن أخذ بثأرنا مهما كلفني الأمر.
#يتبع

ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق