الأحد، 23 مايو 2021

الناصر الثاني بقلم // فتحي الخريشا

 * النَّاصِر الثانِي *

 أشاح غضبًا ولوىٰ معاندة للّجاجٍ حين اُسمعَ إِيضَاح الحقِّ ليس إلّا هُو على مَا يبتغيهُ من عِلمٍ رهينة العمَىٰ ألَّا يُبصر عرف الشأن، ومَا يرعوي يُغري بأخيهِ أنْ يُقطّع على وضمِ المذبحِ، ذلكُمْ مَا ٱستمسك العروة الوثقىٰ وَلا ٱستبان حقيقة الإِيْمَان فكان بين واعيتِهِ وناصعةِ النّص وفاهمِيَّةِ التفسيرِ بِمَا أعتم نفسَهُ سدا منيعا، لأنَّهُ لا مُكفر الذي اختلف وإيّاك في مسألةٍ أو حزمة من تأوِيلٍ ولو غربَة سهامُهَا عن ظاهرِ ما تبدَّىٰ لك أو تبطن، ويكيلهُ الذي ضلّ في القشرِيَّة وضعفِ الرُّؤية نِصَالَ الصّوارمِ أعوجًا مُنْأدًّا كغِرٍّ وَلَمْ يستوِ عودهُ قد سبق الحكِيم الجلِيل إلى المنبرِ غير مُخلٍّ المكان حين وقت خطبة حِكْمَة المعرفةِ وتسابيح الدُّعاءِ كأنّهُ على شيءٍ من الجوهرِ وليس مِنهُ إلّا سفاهة القولِ وفيالة الرَّأي وغثاء العملِ، تفضي العقيدة بسِحرِ جَمَالِ التّسَامحِ حين لا سيفا على الأعناقِ ووَضر إساءات، ولا نطلب دمّ أحد لا يطلب دِماءَنا وليس مِنّا فتانا مُتعشقا للتخريبِ والتعصب، دراية نُور المِصباح على كفِّ المِشكاةِ فلا تهلك جذور الشجرةِ ولا ساقها حين تتشعب الأغصان ولا تهزيع إلّا من حمَّىٰ ٱنفِعالِيّ من محدودِ الأفقِ الأحمق لا يرَىٰ إلّا من عسرةِ ضيقٍ من زاوية وَاحدة لكأنَّمَا عينهُ تنظر من خرم الإبرةِ أنىٰ لهُ بصيرة العليا المشرقة من على قُنّةِ الفندِ العظيم، وأنىٰ لهُ شؤبوب الرحمَة في الحديقةِ الغناءِ أنْ يحيا، وأنَّىٰ للذِين ٱستبدلوا الحقَّ الطيبَ بالباطلِ الخبيثِ من راحِ رياسةٍ أو متوهج العقيق تلكُم سكرة المَفتونِين فأنَّىٰ لهُمْ في الرواحِ من روائحِ ذكي أطايب المسكِ والعنبر واللبان وأرواح الزّهُورِ، أفتزهو الطواويس حين أرياش أجنحتها مكبلة بفتِيلِ الرِّباط إلى أقدامها، أمْ بإِصبَعٍ وَاحدٍ تكتمل قبضة اليد حين الباقي لحز التقطيع، ألآ لا حبذا الاِنقِسَام إذا كان لهولِ جرائِمٍ ولطاحنةِ حروبِ وكلّ العناق لاِنقِسَامات تزيد ثراء الإنسَانِ في حرية الاِختيار ومحبّة التّعايش في أزْهَرِ السلام لواذا عن تعصب وتطرف، فليس لا يقبل الآخر حين لا أذىٰ إلّا أسحمُ النفسِ في الظّلمَانِيّةِ المُدلهِمَّة منكبّا في تخثر برك الدم وعفن الأوبِئةِ قدْ نهَجَ نهْج الذين ظلَمُوا أنفسَهُمْ و كانوا على الناس أفٍّ لهُم الآفة والوَبِيلة. 

 أيقيمون بَيْن ظهرانينا بالشنآن ولا يرقبُون فينا إِلًّا ولَا ذِمَّة كالسوسِ في الشجرةِ أوْلئِكَ الحاطِبُون، عضدوا الشرَّ والشّرِير وأبناء الظلمةِ وصَاروا هُمُ الداء العضال، ويدعون فتاوىٰ تجيز لأبناءِ الإنسَانِ أنْ يقتتلوا بكلِّ بَهِيمِ نقمٍ، ألآ بُعدًا للعضِيهةِ مبررات إدلاج النّاس في الحتوفِ مَا يرفد تياراتهُم السَّفِيهة إلّا تبيع الباطلِ قد أتبع البُهتان القبيح وأسلم نفسَهُ لمخالبِ الشّرورِ تفتكهُ شتىّ الدّنايا وأخبل الجهلات، كأنّهُ جُؤذر سقط عن جلمودِ تلةٍ لِوَادٍ سحيقٍ فإذا هُو لا يقدر حراكا وإذا هُو وَسط كومة ضباع جائعة تسلُ عليهِ من كلِّ صوبٍ مخالبَ التمزيق وأنياب الٱنسِحاقِ، أُولئِكَ الضِّباع في الأمّة يتربصونها الردىٰ وأردوها ولِيمة متجددة لكلِّ حين على موائِدِ أعدائها ولمْ يألوا جهدا في تزين الفتنة والتباغض والتناحر وجعلوا من صراعاتٍ سياسيةٍ من موروثٍ بعيدٍ أحقادًا لا ينسونها وفوق أنبيائِهِم ورُسلِهم وأوليائِهم وحكمائِهِم قدَّسوا زعماء تلّكُم الفتن النكراءِ لرتبةِ الأرباب، ويطيرون أقوالَ كُلِّ مهْبُوتٍ معتوهٍ لقطاعةِ الأبدانِ ونزّاعةِ الأرواحِ من أثقالِ توارثِ الصراعات أفٍّ لهُم من رعْنٍ عدوانيين ومن عميان، فلا مناص إلى أنْ يصير الكلّ في ديمومة اليباب والتباب، أوزار على الأجيالِ تحملُ عبءَ الدَّمِ المُزيفِ من سردياتِ الأباطيل ومَا كانوا إلّا الإخوّة في المعتقدِ الواحد فوق قنةِ الجبلِ بكامَلِ المقة والآخية، واحرِّ سيفاهُ أن لا غمد لهُ لردع المُعتدين على الأمّةِ والذين أخرجوا الناس من ديارِهِم لبؤسِ الضّياع مشردين واستنفروا الأمم لعضدهم بكلِّ عسجَدٍ ونيرانٍ لمزيدٍ من شراهةِ الاِسْتِيْطان وقسوة الاِحتِلال، ومَا أحسب أصحاب الضَّآلة التي على الأحقادِ إلّا تبعهم على مخيط الظلم الاُولىٰ مقطوع دابرهُم من رادعةِ لبِّ حوارٍ وإن ٱستوسقوا في النَّهَاوِش تقضقضهم في الأرض من مهزعة قاطعة مِنهم كلّ وَتِينِ طغيان، ومَا الذِين في التيئِيس عنهم ببعيدٍ خلائق السُّفهاء فيها يعمهون، ولا أسف إلّا على الذين من جهلٍ يلجوّون في أسبابِ العنف العقائِديِّ وهُم مِن ضعف حِجا وضحالة وعي وحمية حماقة أَلقوا أنفسَهُم وبعضًا مِمَّنْ فتنوا في مزجاةِ عيشٍ ولظىٰ اِحتِرابٍ الحريُّ الناس أحرار فيمَا يختارون. 

 أربأكم إخوتِي أنْ تكونوا سَمَّاعِين للوشايةِ ومَا يُفتت وحدة صفكم ولتعلموا أَّنّهُم يندسون بين صفوفِكُم كمَا السُّمِّ الزّعافِ ولديهم من أساليب التخفي وفنون التواري مَا يستوجب مزيدا ودائمًا من الحيطةِ والحذرِ ورفد بعضكم البعض في المحبَّةِ والسلمِ والخير، لأنَّ من الظلمِ وقلةِ المروءةِ أنْ يؤخذ من كلِّ أمرٍ ظاهرهُ أو من الثمرة إلّا قشورها، وينغرس في جملة كلّ ذلك المخدوع عبدًا لا يسمع ولا يرىٰ أو يَستنكف عن فهامةِ منظورِ اللبٍّ ومضواءِ العلوٍّ فإذا لا نماء لهُ البتة لاِنْتِصَاِر إبداعٍ وحلو ثمرٍ، وهل عاقلٌ إلّا في الكاشفةِ مُتبينهم أَخلاط أقنعةٍ على فئرانٍ بعضها لغربانٍ وقرودٍ وخنازيرٍ وبعضهَا لأفاعِي و ثعالبٍ وذِئابٍ, فٱتقوا فتنا تتلعُ أعناقكُمْ على حدِّ سيوفِكُم فليس سوءُ مصيرٍ أسوأ من حروبٍ أهلِيَّةٍ تغذيها تشاحنُ المذاهبِ والقومِيَّات تبيح كلَّ دمائِكُم فإذا هي غاية مسرةِ عدوكم لينقض عليكم وأنتم بقايا حطام مثخنين بكلِّ جائحةٍ وحرضٍ وبكلّ أوزار الدّناءة وعصف الفوضىٰ مُثقلون, أفمَن يسر عدوهُ كمَن يسوؤهُ ومَا أصحاب عقول وألباب في توعر المسلك وبهيمة الليل، ولا جرم الصفائِح ُعلى الذين ألّبوا الناس على بعضهم عليهم الٱصطِلام وليس أدفع لكم فأدفع إلّا أنْ تجتاح معاقلهم السهام الناريّة وفتكهم في ساحٍ ذي رهج، ولا يخشاهُم إلّا جبين رعبُوب والجدارة أنْ تبادروهم دفاعا مقدسا عن النفسِ وألّا يفعل أحدكم فهُو الوقيظ لساعةِ النحر, ولينظر ذو بَصَرٍ قد عصفت الاُمّة وأمْطِرَت بالنيران وطحم السيل جارفا النفوس والرؤوس لكرّبِ الغليان وجنف الأغلال وهنالك من يبتدع فحيم الخصام ليزل أقدام الناس عن السبيل الواضح بِمَا يحتطب لمواقدِ النيرانِ من مجادلاتٍ عقيمةٍ ومشاداتٍ ممجوحةٍ وبعض تناحر بحرابٍ ورصاص لساعةٍ اِنطِلاق فاتك يحمُوم أدجن الاِقتتال، فهلْ مِن مُحب للحقِّ ووامق أخاهُ في الإنسَانِيَّة مهمَا ٱنشعب عنهُ إلّا في أُلفة الّذين يسبحون ذواتهم والنور الأعظم الفياض من كلِّ جمَالٍ، المرمَىٰ الناس أجمعين في منطق مَاهِيَّة وِحدة الأديان لسَامي مقام الإنسَان المتجلي في مركزِ الوجود، الحرِيُّ الناسُ في كُنهِ جلية الرُّؤْيَةِ إخوان في الإيمان ووحدة الإنسانِيَّة لكلِّ خيرٍ غير مُدبرين لبعضهم مكائد لإفسادٍ وذبح أو لأيِّ شرٍّ فعالين، وما يريدكم المعتقد الواحد الأسمَىٰ إلّا في ذاتِ أبلجِ السراجِ كالدّر في السبحةِ الواحدة لا عبيد لأشطان باعوا أنفسَهُمْ في أسواقِ الشهواتِ على مراتعِ الجهالةِ ولّووا أعناقهم للباطلِ نفورا من الحقِّ وغضابًا على الحياةِ والنَّاس، والحقُّ حتّى الذي في المعتقدِ الآخرِ وقدامكم المغاير أبدا لا يُعتدىٰ عليهِ البتة ولا يستباح دمهُ وأيّن مِمَّا في حوزتِهِ فكيف بأنفسهم أصحاب المعتقد الواحد يضيمون ويستبيحون، ألآ ٱدفعوا عنكم كلَّ مُتربصٍ ومُعتدٍ وكونُوا بحقٍّ أنتُمْ في الإنْسِيَّةِ الأصفياء والأحِبَّة الإخوان.


          من كتاب أجنحة الإرادة والٱنتِصَار لمؤلفهَ

                المهندس فتحي الخريشا أبو أكبر

                               ( آدم )

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق