الحب بلا حدود
قصة قصيرة : بقلم الكاتب حسام الدين
قراءة ممتعة......
مرَّ عامٌ كامل على فقده لأُمه أمام عينيه بعد أن ذهبت لإحضار الطعام له، فقد كان لايزال حينها صغيراً، وحدث ذلك بسبب ذاك القاتل الذي كان يتربص بها، حتى تركه وحيداً يواجه الحياة، ولم يفهم في ذلك الوقت ما عليه فعله، إلا أنه كان يقلب نظره فيما حوله، ويلتزم الصمت خوفاً أن يراه قاتل أمهِ.
اليوم هو عصفورٌ حرٌ، يذهب ويسافر أينما يحلو له، متقلباً بين الأزهار والأشجار والأنهار والطبيعة الخلابة، مزيناً الأجواء لتصبح أكثر جاذبية ورومانسية بألحانِهِ العذبة وزقزقاته الرنانة.
ترك السرب والتجمع الذي ينتمي إليه أغلب رفاقه، وفضل البقاء بمفرده، فقد ألِفَ وحدته، وأنِسَ غربته ... واليوم أحب مزج زقزقاته بصوت أمواج النهر؛ ليعزف نغماته مع نسمات الصباح.
وبينما هو يمارس هوايته بالتحليق على حافة النهر وبين أغصان الأشجار، إذا بسمكة علقت بشباك صياد ... وهي تستغيث وتضرب الأمواج بشباك الموت ... ذهاباً وإياباً ... لعلها تُــفلِت نفسها من هذا القفص ... ولكن دون جدوى.
لفتت استغاثات السمكة العصفور، وقام بالطيران قرب السمكة باحثاً عن طريقة لإنقاذ السمكة وهي تنظر حولها وتعد الدقائق الأخيرة قبل قدوم الصياد.
اقترب العصفور أكثر، بعد أن رأى إحدى نقاط الضعف في الشبكة وقام بتمزيقها بمنقاره ... بالوقت الذي قامت فيه السمكة بصد الأمواج عنه خوفاً عليه من الغرق؛ لأنها تعرف أنه في الوقت الذي تحيا في جنتها بين الأمواج يحيا هو في مملكته في السماء.
استطاع العصفور أن يصنع مخرجاً لها من الشباك وعادت لنيل حريتها، وسبحت بعيداً عن تلك القيود، وطار العصفور صعوداً ونزولاً فرحاً بنجاتها وأصبحا ثنائي، وكأنهما يرقصان سوياً.
نظرت السمكة وفي عينيها بريقاً يرسل عبارات الشكر له على إنقاذها، وهو يطير حولها ويبادلها تلك النظرات ذاتها؛ لأنها بعثت فيه حب الحياة، وهنا طار بعيداً منها، وهي تضرب المياه بذيلها ظناً منها أنه رحل، ولكنه عاد وفي منقاره بعض الطعام الذي كان يختزنه ... لتستعين به على التعب الذي أصابها.
أصبح الاثنين لا يفترقان إلا نادراً، فذاك ينثر زقزقاته بالسماء، وتلك تضرب الأمواج، فيصنعا لحناً جميلاً عذباً، وهما يتبادلان نظرات الأعجاب.
وفي يوم قرر العصفور أن يفاجئ السمكة بالغوص في أعماق مملكتها، وهو حاملاً لزهرة قطفها بين منقاره، وقررت السمكة أن تسابقه في ذلك دون علم الآخر، وأخذت بين فكيها غصن شجرة لتهديه له، ليستعين به لبناء عشٍ له!.
وبذلك قرر العصفور السباحة ... وقررت السمكة الخروج لليابسة ... وفي الصباح وهو ليس كبقية الأيام ! من أصوات الألحان والحياة المليئة بالتفاؤل والمحبة ... وإنما يعلو هذا الصباح السكون ... فالسمكة ملقاة على اليابسة، وراقد بجنبها على حافة النهر العصفور وهو مبلل وبين منقاره تلك الوردة ... فأراد كل منهما إسعاد الآخر ... فاجتمعا ... ولكن أموات.
الأديب حسام الدين أحمد
البلد العراق بغداد
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق