قصة قصيرة
صدمة
كعادتها تنهض مع خيوط الصباح الأولى، ترقص مع بندول الساعة، تصفف شعرها الجميل، شابة واعدة حالمة بمستقبلها ملازم كوثر متميزة عن أقرانها، كونها تطوعت بصفة طيار وأول حالة في العراق.. عدد النساء محدود وهي الدورة الوحيدة من نوعها، بعد تناول افطارها، ترتدي بزتها الجميلة بزي القوة الجوية أنذاك في منتصف ثمانينات القرن الماضي.
تصعد سيارتها الحديثة إستلمتها للتو هدية العسكريين التي كانت تمنح لهم، تلاعب المفاتيح بزهو، تفتح باب السيارة ترفع خصلات متمردة من إحكام شعرها الأسود المعقوص، قبضة المقود تحركها "يمنه يسرة" بعد تشغيل السيارة، أناملها الجميلة تمر على أزرار المذياع لتختار اجمل أغنية، يزدان رأسها بقبعة الطيار ذو العلامة الذهبية ليزين شعرها.
تخرج من بيتها متوجهة الى المطار وهي تدندن مع المذياع ونسمات الصباح الواعدة، تصل الباب الرئيس للمطار الحرس يستعدون أمامها بإلقاء التحية العسكرية، ترد التحية من خلال المنبه، هذه المرة متأخرة بعض الشيء، وهي تسير ترى العسكر في التعداد الصباحي لأول مرة تلاحظ هذا الحضور الضباط برتب عليا ودنيا نظراتها مشدودة تسير وسط المطار وجمالها يوسع الشوارع إشراقا بزهو.. أمامها مقر المطار الذي كان القصر الملكي سابقا ومايحمله من جمال ونفائس، الشارع فارغ تماما من السيارات والمارة، الا موظف مدني يجد السير الى عمله في صالة شرف المطار، بصورة مفاجئة انصدمت مقدمة سيارتها في الرصيف فقدت السيطرة عليها، دهست الموظف اصبح رأسه في حظنها، هرعت الاسعاف لإنقاذهم، الموظف حالته صعبة نقل الى الطوارئ وملازم كوثر اغمي عليها أفاقت خائفة مذعورة.
الموظف أكرم كانت اصابته بأربع كسور منها مضاعفة ومنها بسيطة، وضربة في رأسه وكدمات في الأكتاف، قبل دخولي المستشفى كانت مجموعة بقرب المريض وأصواتهم عالية ومشادات كلامية، راوحت بخطواتي لأستعلم الامر، اشار لي المريض للجلوس، سكت الجميع ، سلمت وانا انظر اليه لايستطيع الحركة، عرفني بمن حوله.
قال: هؤلاء اهل ملازم كوثر، اهلا وسهلا وكانت هي بينهم بزيها المدني خائفة مرتبكة، بعد أن استأذنوا للخروج.
- ماهذه الاصوات العالية.
- لا.. مجرد عتاب على ماحصل.
في اليوم الثاني تكلمت معي على انفراد، لمعرفتك في سنن العشائر ماذا: يترتب علي وانا حالتي ضعيفة، كان جوابي لها لكل حادث حديث، لكنها مرتبكة.
أخذت تتردد عليه! كل يوم الى أن بدأت حالته بالتحسن.. رفعت الأربطة الحديدية أخذ بالحركة ، دخلتُ عليه ذات مرة، وجدت ملازم كوثر جالسة بقربة والقهقهات تصل الى باب الصالة سلمت، رحبوا اجمل ترحيب جلست بقربهم قرأت في عيونهم تفاهم واضح، قال اكرم: وهو مبتسم ملازم كوثر لاتفارقني كل يوم تأتي.
أصبحت بينهم علاقة حب، أشار لي بالتقرب منه همس بأذني، أراهم يخططون لكسبي ومتعاطفين تماما، أن همهم الخسارة المادية وليطمأنوا نحن لانعرف ذلك ولا نسأل عن المادة.
- هل يعقل هذا؟
- نعم يعقل
في صباح اليوم الثاني جاءت ملازم كوثر لغرض تفتيش مدرج المطار ، ناديتها لحظة، توقفت.
- سأخبرك بشيء مفرح
- خيرا إن شاء الله
- نعم خير، شيء مفرح
- تكلم
- اكرم لايفكر يوما بأخذ تعويض عن ما حل به او غرامات مالية، وعشائرية منكم.
- كيف يكون ذلك
- هذا ما أقوله لك
- تهللت فرحا، سأخبرك بشئ ..،لا لا وضعت أصابعها أسفل شفتيها هزت يدها ( بعدين بعدين) سرحت طويلا.
- أرى فكركِ مشغول
- نعم مشغول
- أنا سأقبل بزواجي منه اذا قبل هو اخذت تتودد اليه.
بعد خروجه من المستشفى ذهب الى المحكمة وابدى تنازله عن ماحصل له، وأرجع الوفد العشائري من استلام أي مبلغ تعويضي.
أكرم أرتبط عقله بملازم كوثر أحبها حب جنون، أخذت تبتعد عنه شيئا فشيئا مجرد مجاملات، أرسل نساء تمهيدا للخطوبة، كانت اجابتها كيف يكون ذلك وزميلاتي منهن من تزوجت من ضابط ومنهن من تقدم اليها ضابط لايكون ذلك، أتعلمين أكرم يحبك كثيرا وكاد يصاب بالجنون وتكون له صدمة، قالت وبدون تردد لايكون ذلك.. انتهت..
مهدي الجابري.. العراق
.
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق