الواقع والإبداع
الأديب والشاعر الفلسطيني سلمان فراج
كفكاوية المناخ
هذه النزعة للانفلات عن القواعد الصارمة للنوع الأدبي والتي أدت الى ظهور أجناس أدبيه تلائم ميزات الحضارة الإسلامية في مسيرة تطورها على كل الأصعدة [ كما نفهمها من مقدمة ابن خلدون وكما وصفها جوستاف جرونيباوم في كتابه " حضارة الإسلام " ] يمكن فهمها على خلفية نشوء الطبقات الاجتماعية التي تتوزع ثروة المسلمين والتي يصفها الوزير البرمكي الفضل بن يحيَى (ت 803م) على النحو التالي الى أربع طبقات (1) :
ملوكٌ قدّمهم الاستحقاق
وزراء فضْلُهُم الفطنة والرأي
علية أنهضم اليسار
أوساط ألحقهم بهم التأدب . أما بقية السكان فيقول فيهم : "والناس بعدهم زبدُ جَفاء وسيلُ غُثاء , لُكَعٌ ولَكاع وربيطَةُ أَقضاع همُّ أَحدهم طعمُه ونومه _ [ أي انهم حاقدون لأنفع فيهم ولئام وكسالى يقبعون في بيوت حقيرة ولا يرجون غير الطعام والنوم كالبهائم المربوطة ] وهؤلاء العامة وصفهم المسعودي : "هم أتباع من سبق إليهم من غير تمييز بين الفاضل والمفضول , والفضل والنقصان , ولا معرفة للحق من الباطل عندهم ……فلا تراهم الدهر إلا مُرْقلين الى قائد دبّ وضارب بدفّ على سياسة قرد , او متشوقين الى اللهو واللعب او مختلفين الى مشعبذ مُتَنَمِّس مُمَخرق , او مستمعين الى قاصّ كذاب , او مجتمعين حول مضروب او وقوفاّ عند مصلوب . (2)
إذا كانت هذه هي حال الناس من الثروة والقيمة الاجتماعية فإن مقاليد الأمور كانت في أيدي الملوك والوزراء وأهل اليسار ومن لحقهم من المتأدبين ( الموظفون والمؤدِّبون والشعراء والندماء والمهرحون من المحاكين والمحدثين والحاكين …) ، أمّا أهل الأدب ممن لم يلحقهم تأدبهم بهم ، وبقيةُ الناس فإنهم "ربيطه أَقضاع" لا حول ولا قوة لهم على النهوض أو متسولون ، أو يتحينون الفرص ليفوزوا كما كان من أمر الشاعر الماجن مسلم بن الوليد مع الفضل بن سهل قبل أن يصبح الفضل وزيراً للمأمون ، فقد كان مُسلم قد شكا له حاله بقوله :
وقائل : ليست له همة كلا : ولكن ليس لي مال
لا جِدَةَ ينهضُ عزمي بها والناسَ سُؤَّال وبخَّالُ
فاصبر على الدهر الى دولة يرفعُ فيها حالك الحال
وعندما صار وزيراً قصده مسلم فلمّا رآه سُرَّ به وقال له : "هذه الدولة التي يرفع فيها حالَكَ الحال ُ" ، وأمر له بثلاثين ألف درهم ، وولاّه بريد جرجان" (3) . وتروي لنا كتب تاريخ الأدب عن الكثير من سيَر أهل الأدب والشعراء وتهافتهم على هذه الطبقات لنيل عطائها فإمَّا أن ينجحوا ، او أن ينجحوا لحين تتعلق مدته بقدرتهم على التملق والإرضاء او بمزاج صاحب السلطة ، فيهيمون على وجوههم الى "صاحب" جديد . وكان أبو نواس في بداياته قد أشار الى هذه الرغبة في الحصول على الغنى :
سأبغي الغنى إمّا جليسَ خليفة نقوم سَواءَ او مَخيفَ سبيل (4)
وهكذا أصبحت البلاطات ودور أهل اليسار محط أنظار من لم تطل أيديهم الثراء والجاه . أما المعدمون من عامة الناس فطرقوا ابواب اهل اليسار حتى ضاق هؤلاء بهم وازداد وضعهم سوءا بمرور الزمن إذ اصبح الثراء مبدءاً يعتنقه الكثيرون من المجتمع الجديد ، وقد صور لنا الجاحظ حال أهل اليسار من البخل في البصرة التي ولد فيها في عصر اشتهرت فيه بتجارها من المسلمين من كل الجنسيات على ما رأينا في كتاب "البخلاء"، ولم يكف سيل هؤلاء المستولين على أبوابهم من "المقهور المنْزَجِر والمطبوع المبتهل"(5)
إنه واقع كفكاوي ، وليس غريبا فيه أن يكون من هؤلاء من يحلم كما حلم أبو نواس إشارة إلىاكثر من لقمة العيش : "إما جليس خليفة وإما مخيفَ سبيل" كما كان من أمر شعراء الجاهلية : فإما سبيل النابغة وإما سبيل عروة بن الورد . وإلا فلا بديل عن أحد أمرين أيضا : فإما التسول او التطفل(6) .
حكاية الشعر والنثر
مأزق الشعر : من ناحية أخرى فقد أدى الوضع الجديد الى تضافر فئات غير عربيه على احتلال المركزين الثاني والثالث من الطبقات الاجتماعية ، هذا بفضل فطنته ورأيه وهذا بفضل يساره فبعد أبي مسلم الخراساني جاءت وزارة البرامكه التي قضى عليها الرشيد ووزارة عيسى بن داوود على سبيل المثال وهم ليسوا عرباً ، كما كثر الأغنياء من غير العرب ولم تعد الارستقراطيه العربية مستحوذة على مصادر السلطة كما كان الأمر حتى نهاية الدولة الأموية ، فدخلت العجمة على لغة الناس حتى في القصور وعلية القوم فضعفت بضاعة الشعر لديهم وهبطت قيمتها من حيث هي تجَلٍّ للفصاحة ، وزاد الطين بلة أن فقد دوره كمرجع للاستشهاد والاعتماد لدى أهل اللغة والفقه والأدب الرسمي ،فتضعضعت مكانة الشاعر الحديث لان ألفاظه لا تمثل الفصاحة العربية الأصيلة ولأن أصحاب الشأن منه لا تطربهم الفصاحة القديمة لعجمتهم ومدنيتهم ، بينما ظل النقد يحوم حول مقولته بأن " صناعة الكلام نظماً وشعراً إنما هي في الألفاظ لافي المعاني" (7). ويصف ابن خلدون في القرن الثامن / التاسع الهجريين هذه الحالة بقوله : "كان الكثير ممن لقيناه من شيوخنا في هذه الصناعة الأدبية يرون ان نظم المتنبي والمعري ليس هو من الشعر في شئ لأنهما لم يجريا على أساليب العرب" (8) . وحتى نفهم ما قصده لننظر الى ما قاله الجاحظ في كتابه "البيان والتبيين" عن أساليب العرب هذه : "وكانوا أُميين لا يكتبون ، ومطبوعين ولا يتكلَّفون ، كان الكلام الجيد عندهم أظهر وأكثر ، وهم عليه أقدر وأقهر ، وكل واحد في نفسه أنطق ومكانه من البيان ارفع ، وخطباؤهم أوجز ، والكلام عليهم أسهل ، وهو عليهم أيسرَ من أن يفتقروا الى حفظ او يحتاجوا الى تدارس . وليس كمن حفظ علم غيره وأخذه على كلام كان قبله , فلم يحفظوا إلا ما علق في قلوبهم والتحم بصورهم واتصل بعقولهم عن غير تكلّف ولا قصد ولا تحفظ ولا طلب" (9) ومما يأخذه ابن خلدون ومشايخه على هؤلاء المحدثين أنهم تماثَلوا في شعرهم مع لغة هجينه حسب قوله : "جاء خلق [من الشعراء] لم يكن اللسان لسانهم من أهل العجمة وتقصيرها باللسان وإنما تعلمّوه صناعَة ثم مدحوا بأشعارهم أُمراءَ العجم الذين ليس اللسان لهم , طالبين معروفهم كما فعل حبيب [أبو تمام] والبحتري والمتنبي وابن هانئ [أبو نواس] ومَنْ بعدهم وهلم جرّا فصار غرض الشعر في الغالب إنما هو الكذب والاستجداء لذهاب المنافع التي كانت للأولين … واصبح تعاطيه هجنه في الرئاسه ومذمّة لاهل المناصب الكبيرة …" (10) [يقصد لم تعد فيه صلة باللغة الأصيلة ولا بالمروءة الجاهلية فلم يعد مرجعاً للتمثل به لأيّ شئ وصار صناعة للعامة لا للكبراء].
الحاجة للنثر : من ناحية أخرى تطلبت الحياة الجديدة الكلام النثري لحاجة مجتمع الدولة الىالكتاب وإلى الخطباء والقصاصين في المساجد كما احتاجت مجالس السمر ألى الخبر والحكاية للتسلية والإضحاك ، فارتفع شأن كاتب الديوان بشكل خاص ، وتأسست علوم جديدة لكل منها موضوعها المحدد كالتاريخ والفقه والحديث والتفسير والكلام والجدل ، واحتلت كتاب الأدب مكانة لا تقل عن الشعراء… فصار صوت الشعر خجولاً ضعيفاً ولم يعد سيد الكلام (11).
في هذا المناخ انفتح المجال لظهور النثر الفني ، بداية كوسيلة وظائفية تعليمية ترقى الى مستوى الصياغة الشعرية من حيث الفصاحة والتأنق ، ومن ثم الى صياغة أدبيه فنيه تطرز فضاءاتها باتساع الظواهر الاجتماعية وتحتويها كما فعل الشعر قبل أن يصير لسانا لدى أصحاب القصور ، فتخلق بذلك أجناساً جديده لصناعة أدبيه حداثية لا تؤرخ ولا توثق بقدر ما هي تخيّل او تسلّي او تعرّف بما هو شكل من أشكال الحياة للقارئ او السامع ، ولهما ان يستوعبا الحدث كل على هواه او بمقدار علمه ومعرفته ، وقد اتضح هذا المسار في الأغراض السردية التي أتيّ بها الجاحظ ومن جاء بعده ، الامر الذي كان يستدعي لغة الشخوص في هذه السرديات وكلامهم , حتى ان هذه اللغة وهذا المستوى من الكلام اصبح مألوفاً في الصياغات الأدبية مهما كان مدى الاسفاف والاحماض الذي فيها [انظر على سبيل المثال كتاب "المفاضله بين صاحب الغلمان وبين صاحب الفتيان" للجاحظ , وكتاب "رشف الزلزال من السحر لحلال" فيما بعد لجلال الدين السيوطي (849 _ 911هجري ) . وغيرهما كثير] . وقد حذف محمد عبده من مقامات الهمذاني المقامة الشامية وبعضا من الرصافية بسبب ألفاظ لم يستسغها .
لعبة أخرى: لم تخلف لنا العراق بعد أبي تـمام والبحتري شعراء متميزين إذ انتقل الشعر إلى حواضر جديدة ما لبثت أن ضاقت بهم هي أيضا بعد المتنبي وابن هانئ وابن زيدون وأبي العلاء ، حتى ليخيل لنا أن الشعر توقف بعد أبي العلاء . .فما كان للشعراء إلا أن يتنزلوا بأدواتهم إلى ساحة اللعب الجديدة ليؤدوا بشعرهم دورا ما يصلح للمعاش في ظروف أفقدتهم ارستقراطيتهم الاجتماعية ، فنزعوا عن الشعر أرستقراطيته الكلامية . وقد رأينا /كان من خبر الشاعر حمزة بن بيض عند عبد الملك بن مروان ، ثم ها هو ابن الحجاج [ت39] يشوب شعره بلغات الخلديين والمكدّين وأهل الشطارة ولا تخلو قصائده من الاوصاف البرازيه والفحش الأشد فظاظه(12) … وقد صور نفسه على النحو التالي :
رجل يدَّعي النبوة في السُّخ (م) فِ , ومَن ذا يشك في الانبياء
جا بالمعجزات يدعو اليها فأجيبوا يا معشر السخفاء (13)
وهو يشير الى التجديد الذي طوره في شعره واقصد به ما امتاز به ابن الحجاج من وضع هذه الألفاظ والصور الفاحشة في سياق جَدّي يخلق التناقض بين ما يتوهم القارئ/السامع وبين ما يعنيه الشاعر ، إذ يلعب لعبة صنع المفاجأه بعد التوهم ، ويتلاعب بأمزجة المخاطبين ليحملهم على الضحك بفعل المفاجأة التي تتبين في النهاية وتشفع له عن سوء ألفاظه لكونها ضرورية لشروط اللعبة . وهكذا صارت له حظوة لدى الوزراء ورؤساء العصر وعند جمهور المثقفين حتى شُبِّهَت منزلته في الشعر بمنزلة امرئ القيس من حيث التجديد (13) .
فتنة ا لسرد : لم يكن أمام الشعر بد من هكذا تخَلٍّ لأن النثر زاحمه على مكانته في ساحة الرؤساء ، بعد أن دخل لعبة المفارقة التي تملأ حياتهم .ها هي مجموعة من القضاة كانوا يشاركون الوزير المهلبي مجالسه اللاهيه [كما جاء في "يتيمة الدهر للثعالبي" مستنداً الى رواية التنوخي صاحب كتاب الفرج بعد الشده وكتاب نِشْوَار المحاضره , ث 329هجري : " … فيغمس [كل منهم] لحيته في الخمر بل ينقعها فيه حتى تتشرب أكثره , ويرُش بها بعضهم على بعض ويرقصون ، ويقولون كلما كثُرَ شربهم : هر .. هر … فإذا اصحبوا عادوا لعاداتهم في التزمت والتوقر والتحفظ بأُبهة القضاء وحشمة المشايخ والكبراء" (15) .
هذه الحكاية تشبه من حيث الدلالة حكاية ابي قاسم البغدادي لمحمد ابن احمد المطهر الأزدي من القرن الخامس الهجري والتي يدخل فيها شيخ ذو لحية بيضاء الى "مجلس مشهود بأعيان الناس" يتمتم بالصلاة ثم يرفع صوته مما يثير ابتسامة أحد الحاضرين فيوبخه ثم لا يلبث ان يستجيب لملاحظات الحاضرين الذين اجتمعوا للسمر بالتوبيخ والإقذاع والإحماض وهم يشربون ويستمتعون بوقاحته وأخيرا يسكرونه فينام وعندما يفيق يخرج من المكان بنفس الطريقة من الصلاة والتخشع (16) .
هذا النوع من التمتع والإمتاع هو امتداد لما وصفه المسعودي آنفاً ( ملاحظة رقم -2- من هذا الفصل ) من تبلد العامة ، واتباعهم من سبق إليهم من غير تمييز بين الفاضل والمفضول ، ومن ثم اجتماعهم على ما يثير العواطف ولا يحرك الذهن ، وقد وصل هذا الامتداد كما نرى إلى هذه الطبقه من أصحاب الشأن وذلك لان حاجة الناس في الأساس إلى المتعة- مهما علا قدرهم - أمر لا ريّب فيه ، على ان هذا النوع من التمتع إنما يمثل حالة العصر ومدى الازدواجية التي تعيشها هذه الطبقه من المجتمع . إنها ازدواجية تخلق المفارقة بين واقعين : التحلل والمجون في مجالس اللهو في الليل ومعاناة التصنع والتمظهر بما يقتضيه المقام في النهار .
اجتماع الشعر والنثر
هكذا صار الأدب شعرا ونثرا يتجه في خدمة هذا الواقع المفارق ، وصارا من خلال اللغة المتخيِّرة لأحلى الكلام يطوران أساليب جديده تخدم حاجة الأوساط المتأدبة الى المتعة والضحك والمجون ، وانتشرت أخبار هذه الأوساط على شكل حكايات تحتضن هذا الواقع ولكن دون ان توثقه بالفعل ، فهي حكايات من الفعل حكى بمعنى قلّد ، وهي إذن تقليد لهذا الواقع الذي تجري الأمور فيه بما يشبه ما تصوره وتحكيه . ووجد الشعراء أنفسهم وكذلك أهل الأدب على حد سواء يستجيبون لهذا النوع من الإبداع ليكون لهم ما يبتغون في منازل التكسب . تارة يُضحكون وتارة يمدحون أو يرثون ، ثم تارة يُحدّثون او يحكون أو يقصون حسب الموقع والمكان : هنا نثرٌ وهنا شعر وهنا مزج بينهما مراضاة للأذواق .
ها هو الرشيد يستدعي الأصمعي والحسين الخليع ليسلياه في ليلة أرق فيها فيقول لهما : "عللاني بأحاديثكما" . فيحكي له الحسين ، وهو شاعر معروف ، حكاية طريفة حدثت له فيما كان يقصد البصرة لمدح آل سليمان ، فقد طلب الماء من أحد البيوت الكبيرة وهو راجع من عندهم في يوم شديد الحر ، وعند الباب يتعرف على جارية آية في الجمال ويفهم منها أنها حزينة لنُفور من تحب منها ،وهو ضمرة ابن المغيرة ابن المهلب ابن أبي صفرة ، وذلك لحادثة محرجة وقعت بينهما ، وقد فهمها على غير حقيقتها . عندها يعرض عليها وساطته فتقبل . لكن ضمرة يأبى ، وفي السنة القادمة عندما يرجع الى البصرة لمدح آل سليمان يجد نفسه وسيطا لضمرة لدى هذه الجارية ، وعندما ينجح مسعاه ينال منهما مالا كثيرا (17) .
هذه حكاية ، بكل المقاييس ، مصنوعة تشبه ما يصير في الواقع لتصلح أن تكون أداة حريّةً باحاديث السمر ، ويقوم الشعر فيها مع النثر بصياغة الوصف وبتحديد معالم الصورة المحكية لخلق الإثارة . وفي النهاية لا ينسى الراوي أن يذكر ما حصل عليه من مال وفير جراء هذه الوساطة التي دعته إليها الصدفة وهو يتنقل بشعره الى البصرة ، وأعانه أدبه وحيلته على إنجاح مسعاه . فلولا أنه شاعر مسافر لما رمته الصدفة في ذلك المقام ليسخر معرفته وأدبه لإنجاح مسعاه .
هذا النص نموذج للكثير من النصوص الأدبية التي يمتزج فيها الشعر بالسرد فيحتار المُتلقي بمَ يُعجب هل بالشعر أم بالنثر أم بتوافقهما معاً على تجويد النص .
من ناحية أُخرى صارت المواضيع الشعرية مادة للنثر على حد سواء ولم يعد وقفا على الشعر إلا شكله الخارجي , بل تسلل السجع الى النثر مزاحما أياه على القافية وعلى الجمل القصيرة المضغوطة المحلاة بالتشبيه والاستعارة وصنوف البديع . وفي القرن الرابع ازداد التطريب بهذا السجع وبالموازنة بين الجمل النثرية والاقتراب من لغة الشعر وشكله .
في الحقيقة اتجهت صناعة الأدب سبيلاً من المفارقة سواءً في الشكل , فلا الشعر شعر ولا النثر نثر , وفي المضمون فالحكاية محاكاة وليست واقعاً بعينه تماما كما هو الواقع خلط بين الزيف والحقيقة سواء لدى العامة_ "أتباع من سَبَق إليهم " كما قال المسعودي _ او الخاصة ممن لهم في النهار شأن وفي الليل شأن آخر . وبين هؤلاء وهؤلاء دارت رحى الأدب لتفرز سردا يتماشى مع الواقع الجديد . وسافر أهله من مجلس الى مجلس ومن بلاط الى بلاط ومن موقع الى موقع يعرضون بضاعتهم للتكسب وهم يتقنعون القناع الملائم لكل مجلس وبلاط وموقع .. السفر والقناع هما سبيلهما الى الحياة ، وهذا التصنيع حسبما يشتهى المتلقون -"المشترون" هو سلاحهم /بضاعتهم ، أليسوا إذن أهلَ كُديةٍ يحتالون بفصاحتهم الجديدة ليكسبوا سواءً حكوا أو قصوا أو تكدوا ؟.
وها هو الجغرافي الشهور من القرن الرابع الهجري الذي يعتبره عبد الفتاح كليطو سليل الجاحظ الأدبي يقول في كتابة (18) "احسن التقاسيم في معرفة الأقاليم , تحقيق دي خويه المكتبة الجغرافية العربية لندن 1967 ص 33_34" : "فقد تفقهت وتأدبت وتزهدت وتعبّدت … وأ ممت المساجد وذكرت في الجوامع ودعوت في المحافل وتكلمتُ في المجالس … وسُحت في البراري وتهت في الصحاري وأشرفت مراراً على الغَرَق وقُطعَ على قوافلنا الطرق , وخاطبت السلاطين والوزراء وصاحبت في الطرق الفسّاق وبعتُ البضائع في الأسواق , وكم نلتُ العزَّ والرفعة ودُبِّر في قتلي غير َ مرّة , وحججت وجاوَرت وغزوت ورابطت وعريتُ وافتقرت وامتَحنت الطرَّارين ورأيتُ دُوَلَ العيَّارين ." ما هذه اللغة المصنعة ذات الأيقاعات المتقاربة والنغمات المترادفة؟ ثم أي نمط من أهل الأدب صاحبنا هذا ؟ ألا يذكرنا بصورة المكدي في حديث "خالد بن يزيد؟ بل أكثر من ذلك ، ألا يشارك للتأسيس لنمط راوية الهمذاني وبطله في مقاماته ؟ : إنه كالخدروف الذي وصف بطل الهمذاني نفسه نه في المقامتين "الأذربيجانيه" ص4 او "المكفوفية" ص79 , أَبداً في دوران بين المواقع عبر الزمان المكان .
وهذه قصة خبر من أيام المعتصم بالله يظهر فيها نموذج من أولئك الذين ركبوا السفر ووضعوا القناع وباعوا فصاحتهم ، تتحدث القصة عما جرى لعمرو بن مسعده الذي أرسله المعتصم بالله الى والي الأهواز ليحصل منه مال الدولة عليه ، وفي الطريق يضم الى السفينة رجلا على هيئة شحاذ استغاث بالملاح لكي يوصله الى "دير العاقول" ويعرّف عن نفسه بأنه حائك . ثم يسأل هو بدوره ابن مسعده عن مهنته فيقول : كاتب فيبدأ بفحصه في أنواع الكتابة الخمسة التي راح هذا الحائك يُعَرّفها لكن ابن مسعدة يفشل في كل مرة فيقدم الحائك الجواب الصحيح . وأخيراً يعترف الحائك بأنه "حائك كلام" وادعى الفقر .. فخلع عليه ابن مسعده …. وعندما قص ابن مسعده خبره للخليفة طلب منه ان يوليه ما يصلح من أعمال الدولة .. ثم رآه بعد ذلك يسير في موكب عظيم (19) .
الحكاية لا تنتهي بنهاية واضحه حيث لا نعلم هل صار غناه بعد ذلك من الوظيفة التي نالها أم إنه كان يتظاهر بالفقر ليشحد بواسطته .إنها نموذج آخر للسفر والمعرفة المفحمة تنضاف إليهما صفة الفقر والتوسل بهذه المعرفة إلى الأخذ من الآخرين القادرين على العطاء ، والمفارقة في الحالين بينة واضحة تكشفها المفاجاة ،فإن كان هذا الحائك فقيرا بالفعل عندما صعد إلى القارب فإن علمه قلب الصورة وكشف عن شخصية جديرة بالمكافأة وها هو قد انتفع بالمزاوجة بين الظاهر والباطن – الفقر والعلم . وأما إن كان غناه سابقا فإنه نموذج المكدي يتظاهر بالفقر ويتصيد المواقع ليدفع بعلمه فيبهر السامعين بشدة المفأجاة فتحصل المكافأة وتتجلى المفارقة عندها من اجتماع الكفاية والحاجة في مقام تختلط فيه الأمور نتيجة لغلبة الخدعة والانبهار .
المراجع
1 . جرونيباوم ، جوستاف : حضارة الأسلام ، ترجمة عبد العزيز توفيق جاويد وعبد الحميد العبادي ،مكتبة مصر بالفجالة ، القاهرة ، 1956 ،ص 219 . ( عن ابن الفقيه : مختصر كتاب البلدان ) .
2 . كليطو عبد الفتاح : المقامات ، ص 46 . ( عن مروج الذهب للمسعودي )
3 . ابن الطقطقي ، محمد بن علي بن طباطبا :الفخري في الآداب السلطانيةوالدول الأسلامية ، مراجعة وتنقيح محمد عوض إبراهيم وعلي الجارم ،دار المعارف ، مصر ( بدون تاريخ ) ،ص 200-201
4 . الحاجري : ص 35 .
5 . البخلاء ، 1960 ، ص 10
6 . ابن خلدون : المقدمة ، ص 577 .
7 . ن . م. ص 577 .
8 . الجاحظ: البيان والتبيين ، حققه فوزي عطوه ، الشركة اللبنانية للكتاب ، بيروت ، 1968 ، 3/403 .
9 . ابن خلدون : ص 581 .
10 . كليطو : ص 28 ( عن الثعالبي : اليتيمة )
11 . ن . م ز ص 29 .
12 . ن . م . ص28-29 .
13 . ن . م . ص 33 .
14 . تحقيق آدم متز ، هيدلبرغ ، 1902 ،وورد الحديث عنها في كتاب النثر الفني لزكي مبارك ،دار الكتب المصرية ، القاهرة، 1938 ، ص 338-351 .
15 . المحاسن والأضداد ، ص 260-268 .
16 . كليطو المقامات ، ص 91 .
17 . المحاسن والمساوئ ، ص 469-473 .
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق