"الهروبُ من الإطارِ"
حين دخلتْ البيتَ وحيدةً كانتْ عتبةُ بابِها عاليةً فخانَها عكازُها وسقطتْ تئنُّ بحرقةٍ ودمُها المتدفقُ من تشققاتِ جلدِها الذي رقّقه الزمنُ حتى جعلَهُ واهيًا يرسمُ لوحةً حزينةً.
لم تناديِ أحدًا، فهي وحيدةٌ في منزلِها فظلتْ منكبةً على العتبةِ تنتظرُ شيئًا قدْ يكونُ الموتَ.. لكنَّها أحسَّتْ بيدٍ رفعتْها عن الأرضِ وأجلستْها على الأريكةِ قبالةَ صورةِ ابنِها المعلقةِ التي أذهلتْها فهي خاليةٌ من كلِّ شيءٍ إلا الإطارَ وشارةَ الحدادِ التفتتْ لترى رجلًا مرتديًا ثيابًا خضراءَ زاهيةً وجهُهُ يشعُّ نورًا، عيناهُ تلمعانِ ببريقٍ ذهبيٍّ، يدُهُ مطرزةٌ بأجودٍ أنواعِ العقيقِ، نعلُهُ من ذهبٍ، عليهِ هيبةُ ملكٍ، وشجاعةُ أسدٍ، إذا سارَ نما الوردُ في موطأِ أقدامِهِ، وفاحَ العود والمسكُ من جسدِه.
أدارتْ نظرَها فرأتْ بيتَها قدْ تغيرتْ ملامحُهُ فالأنهارُ تجري من تحتِهِ والأشجارُ تظللِهُ، جدرانُهُ أصبحتْ ذهبًا وأسقفُهُ عقيقًا، وأرضُهُ جوريٌّ منمقٌ تطيرُ فيهِ طيورٌ جميلةٌ لا عدادَ لها وتغردُ فيهِ..
كانَ وجهُ الرجلِ غيرُ واضحٍ فبادرتُهُ بالسؤالِ وهي متعجبةٌ:
ـ من أنتَ؟
ـ أنا.. أنا ابنُكِ الشهيدُ.
ـ حالكُ عجيبٌ.
ـ نعم أمّي، هذا تكريمٌ حصلتُ عليهِ منذُ أنْ قتلتُ.
ـ وما الذي أتى بكَ؟
ـ رأيتُكِ واقعةً في أحدِ أنهارِي الذي يعكسُ صورتَكِ فهببتُ لمساعدتك.
تهللتْ اساريرُها وفرحتْ واقتربتْ منهُ وقبلتْهُ على جبينِهِ وأرادتْ أنْ تحتضنَهُ لكنَّهُ ارتفعَ وعادِ إلى داخلِ إطارِ صورتِهِ وأخذَ كلِّ شيءٍ معهُ وتركَها على الأريكةِ وحدَها، وقبلَ أنْ تسكنَ حركتَهُ قالَ لها سنلتقي حتمًا أماهُ.
عبدالرحمن بن الياس/العراق.
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق