الخميس، 3 يونيو 2021

اللاشيء ★ بقلم // فتحي الخريشا

 ★ اللاشيء ★

 إذ ٱنبثق الشيءُ من اللاشيءِ العدمِيِّ الغير موجودٍ أصلا دون إِعدامٍ فإنَّ اللاشيءَ يغدو شيئا، وهذا يَستوجبُ إنّ الشّيءَ هو لا شَيء وهذا يعارض صحيح المنطقِ، لذلك فإنَّ الشيءَ يستحيل حدوثهُ من اللاشَيْءِ لأنَّ منطق اللاشيء هُو عدمٌ وغير موجودٍ البتة وكلُّ غير موجودٍ لا وجود لهُ وأنىٰ لهُ أنْ يُعطي وجودًا، لأنَّ فاقد الوجود لا يعطي وجُودًا، أمْ أصابهُم مس الخبَالِ لمتحِ الشيءَ من اللاشيءِ تبريرا لتثبيتِ مَا لا يَعلمون، وكلُّ مَنْ يُخرِج من اللاشيءِ شيئا وعيًا عقلا كان أمْ بذرةً حيّّة الحرِي هُو فاقد للمنطقِ والعقلِ والهُدىٰ ومَا سعيهُ إلّا وراء بهتانِ السرابِ مِنهُ أنىٰ لهُ أنْ يملأ لدلوِهِ قطرةً من مَاءٍ.

 أخاديع تمور بلجاجةٍ وتميس بخيلاءٍ وتبقىٰ الحقيقة لِمَنْ صدق نفسهُ ضِيَاء يَتلألأ بالإشراقِ بين يديهِ لا يضلّ لمألوسِ خرافةٍ أو يَعمىٰ على أخيلةِ أساطِيرٍ وعلى أخبارٍ من تصوراتِ ضلالاتِ الزيغِ والٱفتِراءِ.        

 إنَّ الوعي والروح والطاقة والإرادة كلّ ذلك لا يصدر من اللاشيءِ لأنَّ كُلًّا منها مرتبط بمصدرِهِ الذي ينبثق منهُ كما النور لا يصدر من محيقِ خواءٍ إنَّمَا يفيضُ من مصدرِهِ ومَا المصدر إلّا وجودا قائِمَا ولهُ أنْ يرفد من ذاتِهِ شكلا آخر لحقيقةِ وجودٍ، وكذا الوعي لا يقدر على الخلْقِ خارج الذهنِ ما لمْ تتهيء لهُ الأشياء بكافةِ الأسبابِ لخلق إبداعهُ منها كمَا يتلاءَمُ التعبير من معانٍ نسيمها يَهبُّ مِما يقع عليهِ النظر من عيانِ مشاهدةٍ ومِنْ مِمَّا مِن رؤىٰ يجولُ، فلا يستطيع الوعي أنْ يغرس شتلة لنماءِ شجرةٍ بأثمارٍ في محقلةٍ ما لم تتوفر لهُ لذلك كافة المعطيات التي تترجمُ وَاقع فكرتِهِ لحقيقةٍ ماثلةٍ في حقِّ الحضور، كذا لا تعلق البذرة الحيَّة في خلو الفضاءِ أو تلقم لموقدِ النارِ لتعطي ثمرةً وأثمارا. 

 إنْ كان هنالك إله أعظم خلق الإنسان والطبِيعة والكون فبتأكيد ذلكُمُ الإلهُ الأكبرُ هُو شيءٌ بواقعِ وجودٍ ولكن الذين أسرفوا في صفاتِهِ لذروةِ المحالِ أسقطوا أنفسهُمْ في التناقضاتِ والخبالِ والميُونِ، والحقُّ ليس لهُم لٱحتِرام عقولهم إلّا الإله في نطاقِ المظنونِ مع التلطفِ عن منحهِ فائِق الصفات من مثل كليَّة القدرة اللانهائِية في الٱستِطاعةِ أمْ هُم كانُوا عليهِ وَاقِفون، أمْ فسدة أنفسهُم من ضلالاتِ أديُنٍ ومهوِمَةِ طرائِقٍ ومَوهُومَة أفكارٍ، ضرب الأمر مَا لأحدٍ عليهِ من حقِّ يَقِين.

 إنَّ الذين قلبُوا النقِيضِينِ كلٌّ لمكانِ الآخرِ هُم تبع الأباطيل والوهُوم فإذا لبَيْن أيديهم من نظرٍ كليلٍ وفسَادِ طويَّةٍ الشيءُ وهْمًا بلا حقيقةٍ كالخيتعورِ وإذا باللاشيءِ رِداءً يلتفُ فيهِ متخفيًا مطلقُ الوجودِ، ألآ تعسا لهُم قد أمضاهُم ألّا يقعوا على صوابِ تفسيرٍ فطفقوا في سذاجة التمويهِ وسخفة المُشاهدةِ إذ يجعلون أصالة الحقيقةِ لِطغيانِ البهتانِ وسدِيد الحِكمَةِ لسفاهَةِ الجهلِ وكذا من الظّنِّ يقِينا بغلقةِ السمعِ وطمسةِ البصر، ومن حصافةِ النسبِيِّ ووقارِ المطلقِ في حقِّ كلٍّ منهُما في كيلةِ ميزانِ الواقعِ الحقانِيِّ على صفحةِ كفِّ الإنسَانِ لرعونةِ الأهواءِ على أعتابِ النصبِ الذي حولهُ يَتعبدون.

 إنَّ الحقَّ مَا ظهر عيانا بيَقِينِ وجودٍ كمثل الشَّيءِ قدام الحواسِ ومكِين برهان العِلمِ فمَا من وليدٍ من هبَاءٍ وأنّىٰ للبَاطِلِ من راسِخةِ ثبَاتٍ وجَليّةِ ضِيَاءٍ خلا في الأنفُسِ الظّلِيَّةِ والعقولِ المأفونةِ فلا أسف على أبْشَارٍ سيرتهم أضلّ من الدواب.       

 أم أرادوا الذين خلف خيالِ الأسطورةِ مخدرا يَزِفُّ لهُمْ ٱنبثاقُ الشَّيءُ من العدمِ والوعي بلا محركٍ، بلْ أولئِك في ضلالةِ الرغبةِ ونهمةِ التضلِيلِ وشَهوةِ الأهواءِ، قد ٱعتلقُوا على نشوةِ الأكاذِيبِ وتدلّوا في دوامةِ القهقرىٰ وتسفّلوا في نزقِ الٱنحِطاطِ إذ الأمثل للخلاصِ ليس لهُم لحقِّ النظرِ إلّا اليَقظة في الضِّيَاءِ على مَا بَين مداياتِ بَصِيرةِ الواقِعِ من عِلْمِ يَقِينٍ لا مور الغفوةِ في ضلالةِ الظلامِ والتهافت على مَمجُوجِ كلِّ خطلٍ.

 فرضيات تمور فوق موجِ القمقامِ بين غرقٍ ونجاةٍ لشاطئِ النظرِيَاتِ المجنحةِ للآفاقِ البعيدةِ وراء ذوائِبِ الأطوادِ، ومنها كحَبَّاتِ الذّرةِ على صفِيحٍ ساخنٍ مفرقعةٍ لعشوائِيَّةِ ٱفرنقاعٍ، وكالفقاعاتِ الرغاوةِ في مِرجَلِ مغلي الماءِ، والحرِيُّ لا غوص فيما لا تعلمون بعودِ أحمالٍ من حماقةِ بَسَابِسِ الترهاتِ، وعيٌ كامنٌ في الطاقةِ والمادةِ على التباين بين الخمولِ والنشاطِ ولِكُلٍّ سبِيلٍ أو معا كلّ لحد في ذاتِ الفلك أو لأفلاك، أو لمراوغةِ خِداعٍ أو لتيهِ ٱنفلاشٍ الحرِيُّ علمُ اليقينِ على مَا نعلم حقّا لا على محجُوبٍ في دهمة الظّلمَاءِ وغيهَبِ الٱختِفاءِ. 

 دع عنك يا أخي مَا لمْ تعلم يقينا وٱسند رأسك على كفِّ الضِّياءِ فليس الحبلُ المفتولِ بعابِرٍ سَمَّ الخِيَاطِ، وٱطرح هواجس ضعفك جانبًا وترف معضلة بلا حلّ ولا تجذف فيها تسويفا ولا تتقلب على جنبيك لاِثبات مطلق صنمٍ أقيمَ على أثرٍ غابرٍ من تراكمِ غباءٍ وظلمةِ جهلٍ، وٱمضِ لحوز فائِقَ المعرِفةِ دون تهويمٍ وتضليلٍ وكن دومًا على دروبِ هُدىٰ النورِ وسدادِ الرشْدِ. 

 سِيَّان لبين يدي العاقل الفطين لئن كان إلهًا أو لم يكن الحريّ كلّ بالصدقِ لما يدعو إليهِ لا بالهترِ وقدمَا نحو رواسخ العِلم وأنوار المعرفةِ، والطوبَاء للذي يخرج من شرنقةِ العبُودةِ لفضَاءِ حرةِ ٱلإِنسان.

 الشيء جعل اللاشيء أم اللاشيء أوجد الشيء وترا يتهدلُ عليهِ التفكِيرُ بجشوبة شظفٍ أو بدلالِ ترفٍ والدربُ يفضي لسدٍ مسدودٍ وحجر محجُور ما خلا واقعا وما يُعلن ونورا ومَا يُضِيءُ.     

 ألآ ليس لك يا أيُّهَا الإنسَانُ إلّا السمو بِأجنِحةِ وعيك لتبلغ نور ذاتك العلِيّ، وليس لك إلّا التماهِي في جمالِ كُليَّةِ الذات فيك وحواليك بمنطقِ الحقِّ وساطع الحقِيقةِ دون أيٍّ من تجديفِ تلفِيقٍ وٱخْتِلاق، آنذاك وحين تعانق كليَّة ميزانك الإِنسِيِّ على حقِّ وجودك في هذهِ الحيَاة التي تحياهَا يصير لك طوبَىٰ الإنسان الكامل النورانِيّ لأجنحِ كُلِّ سلامةِ صوابٍ، يصير لك طوبَىٰ الأسمىٰ.


          من كتاب الإنسان الكامل النورانيّ لمؤلفهِ 

                المهندس أبو أكبر فتحي الخريشا 

                               ( آدم )

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق