السبت، 31 يوليو 2021

المقامةُ النازكيَّةُ بقلم // عبد الرحمن بن إلياس

 المقامةُ النازكيَّةُ


حدثَنا أبو المعارفِ قالَ: 

اسمتلكَ حبُّ الأدبِ أباقيسٍ الموصليِّ غرا، وألمَّ بقراءتِهِ وحفظهِ دهرا، وفضَّلَ على النثرِ الشعرا، خاصةً ما كانَ من الغزلِ قريبًا، ولنداءِ قلبِهِ مجيبًا، واستملحَ من المدحِ ما توسطْ، وعن طريقِ الإعتدالِ لمْ يشططْ، ومن الوصفِ ما جمَّلَ القبيحْ وكانَ بعيدًا عن التجريحْ، وقرأَ لمجنونِ عامرٍ وأكثرْ، وحفظَ لهُ ماتيسرْ، وهامَ بشعرِهِ وعلى فؤادِهِ سيطرْ، حتى أتاهُ يومٌ قرأَ شعرَ قارورةٍ في أبياتِها الجمالَ حائكةْ، فبحثَ فكانتْ نازك الملائكةْ، فتربعَتِ يومَها في عرشِ قلبِهِ، وذهبَ شعرُها بلبِه، فاشترى ديوانَها الأولا، وراحَ يقرأُهُ متأملا، فوجدَ في ما كتبتْ، ضالتَهُ التي هربتْ، فنسجُها محكمُ البنيانْ، وألفاظُها ومعانِيها كالعرسانْ، واستوفتِ مرادهاَ من غيرِ زيادةٍ أو نقصانْ، جمعتْ في قصائدِها ألوانَ الجمالْ، وطارتْ بهِ بين الحسِّ والخيالْ، ولمْ يعدْ يفارقُ شعرُها فمَهْ، وصارَ مأكلَهُ ومطعمَهْ، ثمَّ اشترى أعمالَها الكاملةْ، وأدخلتُهُ بستانَها وخمائلَهْ، فكانَ يقطفُ من أزهارِ أشعارِها ما حلا، لهُ ويصوغُهُ عقدَ مرجانٍ ذائعُ الصيتِ بين الملا، فمنذُ ذلكَ اليومِ البديعْ، لمْ يبرحْ سورَ نظمها المنيعْ، وملأتْ بأفكارِها حياتَهُ مطرًا وربيعْ، وصارتْ في رأيِهِ سيدةُ الشعرِ الفريدةْ، وعرابتُهُ الوحيدةْ، وكلُّ شاعرةٍ مجيدةٍ أو شاعرٍ فحلْ، ففرعُها وتابعٌ لها وهي الأصلْ، ومن يردْ في الشعرِ تفقيها، فعليهِ سلكَ سبيلِها، ثمَّ ازدادَ في قلبِهِ حبُّها أضعافًا كثيرةْ، حينَ علمَ أنّها مبتدعةُ شعرِ التفعيلةِ وبشرفهِ جديرةْ، فاحتارَ حينًا بلقبٍ يخلعُهُ، عليها ويكونُ منصفًا لما تبدعُهُ، ثمَّ بعدَ تفكيرٍ مطولٍ واستقراءْ، هي أمُّ الشعرِ وأبوهُ وروحُهُ بلا امتراءْ، وبعدَها في منامهِ رأى حلمًا رائعا، فقدْ اجتمعَ الشعراءُ وأقروا أنَّهُ في حكمِهُ على نازكٍ كانَ مبدعا، ومن يومِها والبسمةُ لا تفارقُ شفتَهْ، وعلى اسمِها سمّى ابنتَهْ، متيمنًا بها، فعساها أنْ تكونَ مثلها. 


عبدالرحمن بن الياس/العراق.

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق