الأربعاء، 7 يوليو 2021

(السلاح المحمول ) قصة قصيرة بقلم // مصطفى علاء بركات

 (السلاح المحمول ) 


قصة قصيرة 

بقلم / مصطفى علاء بركات 


  حصل أخيراً الأستاذ / خالد أيوب على منصب مدير عام  ، و شاربه الكث ما تبقى من شعر رأسه يكسوهم الشيب ، و قد قارب على سن المعاش القانونى ، علما بأن الكثير من أقرانه حصلوا عليه من سنوات .... جلس قابضا بقبضة يديه على كرسيه الجلدى الضخم و قد ألصق ظهره تماما للخلف بظهر كرسيه و أشار بأصبعه لها بالدخول 

دخلت مكتبه " آيه عصام " موظفة تعينت بدون مسابقة من حوالى شهرين بالمؤسسة الحكومية التى يدير منها  أ / خالد أيوب هذا الفرع

- مستر خالد  ، أحتاج أجازة الأسبوعين القادمين ، و الشئون الإدارية أشترطت  توقيع حضرتك هنا ... و أشارت على أسفل ورقة الأجازة

ضرب الأستاذ خالد كفا على كف و قال 

- أجازة إيه يا بنتي ؟ 

يوجد جدول للأجازات  و كلكم وقعتم عليه 

- اعرف و لكنى فى حاجة لهذه الأجازة

فتح الأستاذ خالد الحاسب الذى أمامه و دقق النظر 

 - يا آيه ، ظاهر أمامى أنك أخذتى فعلا أجازة اسبوع من عشرين يوم 

و أن الاسبوع القادم أجازة أ / منى مشرفة القسم الفنى 

و بعدها الأستاذ متولى نائب مدير المراجعة 

هزت ساقيها بشدة و قالت : بعد إذن حضرتك لازم هذه الأجازة ، يمكن أن يؤجلوا أجازتهم لأسبوعين فقط 

- يؤجلوا أجازتهم  ، الأجازة المتفق عليها و التوقيعات المعتمدة لجدول التناوب و البدلاء و ما تم إرساله للإدارة العليا 

- زاد اهتزاز ساقيها حتى شعر 

أ / خالد بأن مكتبه يرتعش بعض الشىء .. 

 و ظهرت فى عينيها دمعة حبيسة لم تخرجها ، و قالت و فى صوتها رعشة ما قبل البكاء

- لا دخل لى يجب أن أخذ هذه الأجهزة بعد إذن حضرتك 

و أخرجت هاتفها المحمول من حقيبتها و خرجت من المكتب فجأة و أختفت من أمامه فى ثوان 


 مرت أكثر من عشرون دقيقة ، كان فيها " خالد أيوب " محاط باثنين من كبار الموظفين يحاولون تهدئة أعصابه و هو يصرخ بغضب و يقول : لم ارى مثل هذا فى حياتى ... أبدا ... أنا لا أصدق ، كيف هذه البنت تفعل هذا 

و رن هاتفه المحمول 

 - من المتحدث ؟

- أهلا وسهلا أهلاً ، طبعا تفضل تفضل يا فندم 

نظر لمن حوله من الموظفين و التعجب ظاهر على عينيه 

- نعم هذا ما حدث 

- يا فندم حضرتك عارف  ، الجدول الرسمى الذى أرسلناه لكم فى الموارد البشرية يوم   ....

توقف عن الكلام ووقف عن كرسيه ، و أشار بيده لمن معه فى المكتب أن انصرفوا الآن و اتركونى

- اللى حضرتك عايزه  ... بصراحة لا أجد كلاما 

- أفهم طبعا قصد حضرتك 

- تفضل يا فندم ، تفضل 

أنهى أ / خالد أيوب المكالمة ، و سقط على الكنبة التى أمامه 

و بعد دقيقة من الصمت التام بلا حركة ، قام و أتصل بالشئون الإدارية 

و أخبرهم بالموافقة على أجازة " ٱيه " و أن يرسلوا هم له الورقة و أنه لا يريد أن يرى ( آية) ثانية فى مكتبه أبداً ....


 تناقل الخبر بسرعة بين الأقسام ، فأجازة كل من مشرفة القسم الفنى أ / منى و نائب المدير الأستاذ متولى ، ستتأجل و من بعدهم أى أن تقريباً جدول الأجازات سيعاد ترتيبه ، ما أن علمت أ / منى بالأمر حتى قالت : كيف ؟  هذا والله  تهريج و أمسكت هاتفها المحمول و اتصلت بزوجها المسئول السياسى الرفيع المستوى


رن الهاتف المحمول لمدير الموارد البشرية 

- نعم مع حضرتك مستر ( نبيل جمال) المدير العام للموارد البشرية 

هل يمكننى التعرف بحضرتك اولا بعد إذنك

- أهلا و سهلا 

- كيف حال سعادتك 

طبعا طبعا ، رأيت حضرتك مع المشرف العام 

أهلا و سهلا تفضل 

- أنا أعرف حساسية الأمر ....

يا فندم اسمح لى فقط بتوضيح صغير 

إنها ....

و لكن كان الطرف الأخر قد أغلق المكالمة

جلس ( نبيل جمال) و هو ينظر لهاتفه المحمول باحثاً عن إسمها …. 


    تحول مكتب الأستاذ "خالد أيوب" لقاعة احتفالات ، الأستاذة منى مشرفة القسم الفنى و اثنان من الموظفين كبار السن و أحد مشرفى الأقسام  ، كان أ / خالد يقرأ بتركيز فى كتيب صغير عنوانه : لائحة الجزاءات و مرت على أذنيه عبارات من الحاضرين :-

" أيوه كده لابد من تربيتها " ، " بالطبع هذه مؤسسة عريقة " ، 

" صدقونى إنها لا تحترم أحد " ، " القوى هناك الأقوى منه " 

و رن هاتف الأستاذة / منى فرفعت الهاتف بإمتداد ذراعها لأعلى و قالت مبتسمة و هى تكاد تقفز خارج المكتب : انه زوجى ... بعد إذنكم 


   كان زوج الأستاذة منى ، المسئول السياسى الرفيع قد تلقى من دقائق إتصال لم يتجاوز الدقيقتان

الدقيقة الأولى : التعارف و الدقيقة الثانية و هو يردد والدتها صديقة شخصية لمن ؟ حرم ... و ينظر للوحة المعلقة فوق مكتبه و قد أصبح وجهه كتلة بيضاء لا نقطة دم واحدة بها 


    و بعد لحظات أصبح مكتب الأستاذ خالد كسرادق العزاء ، دخلت الأستاذة منى و ودعته و إنهمرت  الدموع من عينيها ، و بعدها دخلت مسئولة الأجازات على الأستاذ ( خالد) و هى تنظر للأرض و تقول : هل تحب حضرتك أن أقوم بتعديل طلب الأجازة ؟ 

فرفع رأسه نحوها و عض على شفتيه بأسنانه و قال و هو يضحك بمرارة : 

- لا داعى أنظرى و أدار لها شاشة الحاسب 

كان بريد إلكتروني مرسل تحت بند هام و عاجل و فيه :

السادة رؤوساء القطاع ، السادة مديرى عام الفروع 

تقرر منح الزميلة المحترمة الأستاذة / آيه عصام - أجازة لمدة أسبوعين تبدأ من الأحد القادم ، كما تقرر نقل الأستاذة منى عبد الغفور لفرع ... عملا بمبدأ تنوع الخبرات ، و نظرا لقضاء المذكورة أكثر من عشر سنوات خدمة متصلة بهذا الفرع .

و يعمل بهذا القرار من تاريخ صدوره 

التوقيع : السيد رئيس قطاع العلاقات العامة - مكتب السيد رئيس مجلس الإدارة

خرجت المسئولة ، و أزاح الأستاذ ( خالد ) اللائحة الرسمية الجزاءات على الأرض 

و أخرج هاتفه المحمول القديم و قام بتنظيفه بأحد المناديل الغالية ، و نظر له طويلا و بدأ فى تفقده و إعادة ترتيب قائمة الأسماء المفضلة و جهات الإتصال .


( تمت )


من كتاب ( الأرض الطيبة) 

بقلم / مصطفى علاء بركات

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق