الخميس، 26 أغسطس 2021

أمل آخر الشارع. بقلم// نفيسة العبدلي

 أمل آخر الشارع 

اجتمع ثلاثة صبية تحت شجرة سامقة يتفيؤون ظلالها و قد أعياهم التسول و أخذ منهم التعب مأخذه و راحوا يشعلون سجائر بدت أطول من أناملهم المتورمة...

عم الصمت المكان وكأنه الهدوء الذي يخفي داخله جمرا  ينتظر نفث الرماد فيه...إنهم يعتزمون أمرا..

وقف ثلاثتهم أمام الباب يجمعون قواهم ويأخذون نفسا عميقا فالليل قد ألقى بلحافه الحالك على الكون ونثر نجومه في السماء ولا مفر لهم من الرجوع إلى ذلك الكوخ المتصدع...

تسللوا إلى الداخل بعد أن خلعوا نعالهم البالية وحاولوا أن لا يحدثوا جلبة توقظ الرجل الظلوم فيشتعل حنقه لتأخرهم...و لكن هيهات!!فما كادوا يخطون بضع خطوات حتى امتدت نحوهم يد غليظة دفعتهم إلى الوراء دفعا مقيتا فتهاووا الواحد تلو الآخر و تساقطوا على الأرضية الترابية...

نهض أحد الصبية و هو أكبرهم سنا فأسند كتفه إلى الجدار محاولا جمع قواه و لملمة غضبه وأخذ يتحدث بنبرات حفها الحزن والأسى:"لقد ضاع منا كيس النقود يا سيدي وسط الزحام...و لم نجد له أثرا."

احمرت عينا الرجل و استشاط غضبا و تصلبت قسمات وجهه و علا صرير أسنانه و انتفخت أوداجه فأمسك بهراوته وهوى بها على جسد الصبي النحيل يوجعه ضربا. انفطرت له قلوب الصغار الأبرياء و ارتفعت صيحاتهم و التمسوا له الصفح و لكنه لم يأبه لتوسلاتهم و زاد في عناده و طفق يشتم الصبي و يرميه بأقذع الأوصاف و أحكم قبضته القوية على عنقه وأمره بأن يخرج ما حصلوا عليه من نقود...

لكن المسكين آثر الصمت و تصنع النحيب دون أن يجيب ذلك الوحش الضاري ببنت شفة و لسان حاله يردد:"صبرا جميلا أيها الأبله."وفي الهزيع الاخير من الليل غط المخبول في نوم عميق فتسلل الصبية إلى ركن من أركان الكوخ أين طمروا نقودهم واخرجوا كنزهم الدفين وبعد لأي شديد تمكنوا من الهرب والنجاة .بدت آمالهم تتراقص قبالتهم وكأنها تعدهم بغد أفضل ..فيبتسم الصبية ويعانقون بعضهم البعض في فرح ..وما إن لاحت شمس الصباح فاردة أشرعة نورها مغازلة الكون حتى هب الأطفال من مخبئهم وساروا وسط الزحام حتى أنهم ودعوا التسول واتجهوا نحو حلمهم الذي ينتظرهم في الناحية الأخرى من الشارع فجاة توقف الصبي عن السير وطلب من رفاقه انتظاره قليلا فقد نسي صور عائلته داخل الكوخ ولا غنى له عنها فهي كل ما بقي له من ذكريات العائلة..اقترب الصبي من الكوخ وتأكد من خلوه من ذاك الحقير فولج مسرعا إلى الداخل ...

(يتبع)

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق