بين المطرقة والسندان
بقلم : ماهر اللطيف
فجأة وقف الجميع احتراما وإجلالا لهذا الموكب وقد صمتت المسجلات ومكبرات الصوت وصياح الباعة وكل من دب وهب في هذا المكان وشرعوا في التكبير وذكر الله وقراءة الفاتحة والصلاة والتسليم على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين في خشوع تام لا يمكن أن تجده في غير هذا الموقف حتى عند آداء الصلوات إذ يلج الشيطان بين الإنسان ونفسه ويسول له السوء ويذكره بكل الأمور والمسائل الحياتية التافهة أساسا لتلهينه وابتعاده عن كل خشوع وورع وعلاقة وطيدة بينه وبين خالقه.
فوجدتني في الحال اسبح في بحار الأمس استرجع ولادتي - وفق ما قصه لي أبي وأمي وبعض أفراد عائلتي- متى زغرد الحضور وابتهج فرحا ، في حين بكيت حرقة على مغادرتي بطن أمي حين اصطدمت بنور هذا الوجود ،فتلحفت بأبيض الغطاء ووضعت في فراشي وحيدا والكل من حولي يبتسم لي ويسبح لله ويشكره ويحمده على هذه النعمة.
وسألتحف الأبيض غدا ويبكيني من ابتسم لي عند مجيئي أمسا ، وأوضع في قبري وحيدا وهم حولي يدمعون ويكبرون ويسبحون ويذكرون الله ويشكرونه ويحمدونه ، وفيهم من يذكر محاسني وبعضهم يذكر مساوئي رغم صد معظم السامعين....
فيقول أحدهم بصوت خافت خشية أن يسمعه أهلي :
- رحمه الله وغفر له ما تقدم وتأخر رغم كثرة ارتكابه للمعاصي والذنوب
- (آخر مقاطعا ومنددا بما يسمع) "اذكروا موتاكم بخير" ، عيب والله ما تأتيه في هذا الوقت بالذات
- (فيجيبه وقد حدق النظر فيه وكأنه يهدده) وما العيب في ذلك؟ هل أتيت جرما حين قلت إنه لم يكن من خيرة الناس؟ فهو فعلا من هواة اللهو والمجون وارتكاب المعاصي يمنة ويسرة
- (آخر وقد رتب على كتفه) استغفر الله العظيم، اتق الله يا هذا
- ( مزمجرا) هل أمسيتم جميعكم حكماء ورادعين للمخالفين؟ أنسيتم أنفسكم وعيوبكم؟ هل أذكركم بماضيكم "الأسود" مع هذا الذي أمامكم ( ويشير لي وأنا حديث السكن بقبري باصبعه) وما قمتم به من شر و سوء؟
- (ثالث) احترم المكان والحدث يا هذا ، فإن كنا كما ادعيت أو عكسه فإن ذلك لن يغير شيئا ولن تنفعنا أو تضرنا ، فلنا حاكم لا يظلم عنده أحد وهو الذي سيحكم لنا أو علينا...
وواصلوا الحديث مدة من الزمن وأنا في انتظار السؤال "من ربك؟ ما دينك؟ من نبيك؟" وغيرها وقد استعد الدود لتناول أكلة شهية جديدة حلت لتشبع جوعهم لحين في انتظار وجبة أخرى قد تحضر في أي وقت حين يحين أجلها...
ومنها ، شعرت بيد تلمزني وتخز مرفقي وصوت يقرع أذني وهو يقول " لماذا تسمرت كل هذا الوقت وقد مر الموكب وأظن الدفن قد انتهى ايضا؟ اجلس أيها الرفيق ولنواصل مخططنا لسهرة هذه الليلة مع صديقاتنا....
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق