قصة قصيرة
سفر الأحلام
قادما من بعيد بأقدام راسخة يعلم أين يتجه فهذا موعد رحلته المعتادة إلى محل إقامته ، القطار على رصيفه المعتاد وكأنه ينتظر صديقا قديما تعود لقائه كل أسبوعين ، دخل ماهر وجلس في مقعده بالقطار في محطة مصر وبجواره مقعدٍ خالِ ،
جلس يفكر في الشخص القادم ليجلس بجواره ؛ أربع ساعات كاملة تفصله عن موعد وصوله لمدينته الصغيرة في إحدى محافظات الصعيد ؛ كان يخشى دائما أن تضيعَ هذه الساعات دون أن يقرأ كتاباً جديداً كما يفعل في سفرهِ الدائم منذ أن شَغل وظيفتَه بنيابة عابدين
كان منهمكاً في ترتيب الأشياء التي يستعملها طوال الرحلة ، هذا كتابُ "عودةِ الوعي" لتوفيق الحكيم ، وهذه سماعات الأذن التى يسمع فيها موسيقاه المفضلة حتى ينفصل تماماً عن العالم الخارجي من حوله ليعيشَ لحظاته الخاصة.
فى لحظةِ الزحام عندما بدأ باقى الركاب في عربة القطار يتوافدون لاحتلالَ مقاعدِهم ، إذا بها تطُل من أول العربة كأنها الشمس في لحظات الشروق بوجهها الوردي المشرق وعيناها الواسعتين وطولها المتناسق مع قوامها الممتلئ قليلا
نسي ماهر توفيق الحكيم والموسيقى وبدت عليه الدهشة قبل السعادة إنه يعرف هذا الوجه يعرف هذه الابتسامة التى تضيء الدنيا ، يعرف هذه القسمات تمام المعرفة ..
نعم إنها هى....
هي صاحبةُ العينين التي أسَرتْهُ منذ عقدين من الزمان ثم سافرت مع أسرتها إلى الخليج ولم تعد من يومها ، نعم إنها هالة التى كانت تصغره بعامين وكانت معه في المدرسة الإعدادية المشتركة والتي خطفت لُبَهُ وهو في بدايةِ سن المراهقة..
تلك الفتاة التي كانت منذ سنوات قليلة طفلةً صغيرةً ذاتَ ضفائر ، لكن أنوثتها كانت تجاهد طفولتها وتكاد تتغلب عليها ،
نعم هي صارت تلك الشمس التي تشرق على أي مكان حلّت به
أخذ قلبه يدق بشدة وجبينه يتعرق رغم البرودة المنبعثة من مكيف القطار ؛ وهي تخطو خطواتها الواثقة وتقترب حتى وقفت بجوار المقعد الخالي ونظرت إلى رقم المقعد لتتأكد أنه مقعدها ثم التقت عيناها بعينيه ومرت لحظات من الدهشة الممزوجة بالفرح والشوق الجارف وكأن نهرا يجري من فوق جبل تقاومه الصخور
نظرت مندهشة ويكاد قلبها ينطق قبل شفتيها وهي تقول ماهر
رد عليها وكأنه نسي إسمه : مَن أي..
"أيوة أنا أنا هو" ، وكأن دوره في طابور السعادة قد حل موعده
وتمالك قلبه وهو يمد يده ليسلّم عليها ويُجلِسها وكأنه يمسك يد مليكته التي طال انتظارها لتجلس بجواره على العرش ؛ نعم فهو الآن الملك الذي ظفر بالأميرة التي دخلت عربة القطار ، ولقد لاحظ نظرات الحسد التي تنبعث ممن يجلسون بالعربة من الرجال ..
عشرات الأسئلة تبادلاها في دقائقٍ قليلة ، وقفا فيها على كل المتغيرات التي مرت بهما وباتا الآن وكأنهما لم يفترقا كل هذه السنوات ...
عاش أربع ساعات من السعادة لم تكن تخطر له ببال ، نعم لقد تأكد الآن وبعد كل هذه السنوات أنها كانت تبادله مشاعر الحب الذي كتمه بين أضلعه ولم يصرّح به أبدا ، تأكد من نظراتها له فلم تكن من ذلك النوع من النساء الذي يبوح أبدا بمشاعره في أول لقاء ؛ فهي تملك بالفعل شخصية الملكات التي لا تُنال هكذا ببساطة
عرف أنه إن تقدم لخطبتها لن ترفض أبدا وقبل أن يصرح لها بمشاعره قبل نهاية الرحلة بقليل تذكر شيئاً هاماً ، نعم إنه قد تزوج منذ عامين ولديه طفلين توأم !!
تزوج بعد أن فقد الأمل في لقائها من جديد ،
كل أحلامه التي بناها في هذه السويعات انهارت فجأة ، بدأ يكبح جماح قلبه وينظر لها ويقول: "لقد تزوجت منذ عامين" ، وقبل أن يكمل حديثه غلبتها دمعةً حارة حاولت كتمانها ببعض كلمات التهنئة ، وتمنِي السعادة له ، وشغفها لمقابلة زوجته وولديه ...
وقف القطار على محطة وصولهم
وهو يتمنى أن يقف الزمان عند هذه اللحظة ،
ترجلت وهو خلفها يرمقها بنظرةٍ قد تكون الأخيرة وكأنه يودع قلبه إلى مثواه الأخير .
بقلم القاضي خليفة محمد
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق