قصة قصيرة :
بقلم محمد محمود غدية
(طقوس الوجع)
أمام قسم الكتب الأدبية وقف يتأمل كتابا للشاعر محمود درويش الذي يحب أشعاره يقول في إحداها : قصائدنا بلا لون/ بلا طعم/ بلا صوت/ إذا لم تحمل المصباح من بيت إلى بيت/ وإن لم يفهم البسطا معانيها/ فأولي أن نذريها/ ونخلد نحن للصمت .
كان لابد له أن يرتاح بعد أن أنهي جولته في معرض الكتاب وأن يدفئ صقيع قلبه فالوقت شتاء، في أحد الكافيهات المنتشرة فى المعرض جلس يحتسي النسكافيه، بينما هو يقلب في الكتب التي إبتاعها وفى جرأة لم يعتدها ودون إستئذان، شاركته طاولته فتاة عيناها واسعتان سوداوان مشرقتان، تركت شعرها فى فوضى دون تصفيف، كأنه فروة مغبرة لأسد يطارد فريسة، إستنزفت قواه فى كر وفر دون الفوز بها،
أخرجته من تأملاته ودهشته قائلة : بالطبع لا تذكرني، سنوات إنقضت منذ إنتقلنا من شارعكم، الأيام لم تبدلك مثلما فعلت معي، لابد أنك تذكر أول خطاب دسسته لي في كتاب المطالعة، والذى بسببه ضربت بعد أن اكتشفته أختي الكبيرة، أيام جميلة يسمونها مراهقة عاطفية، رددت علي خطابك ولم أعبأ بتهديدات أسرتي، خطابك كان من كلمتين مازلت أذكرهما : أميرة أحبك ورسمت جوارهما قلب وشجرة، ماذا كنت تعني بالشجرة..؟
جذور الحب و إستمراريته.. !
لاشيء من هذا حدث على الأقل من جهتك، أحببتك وإحتفظت بخطابك، كنت على يقين أنه يوما سنلتقي، نقل هواك ما شئت من الهوي/ فما الحب إلا للحبيب الأول، لابد وأنك أحببت فتاة أخرى، الحب هو جزء من وجود الرجل، لكنه كل وجود المرأة، عدم وجود الرجل في حياة المرأة يقلل من أهمية وجودها، ويحول أيامها إلي أرض مقفرة، كذلك الرجل دون امرأة، مجرد نبتة جافة فى أرض خراب،
كنت محطتي الأخيرة، وها نحن نلتقي دون موعد، هل تسمع مثلي صافرة القطار، تعلن عن مجيئك، لا أستطيع العيش دون حب، تأتيني كل ليلة في أحلامي محملا بسلال ورد، كنت أطيل النوم حتى لا يتبدد الحلم، كان الترقب والإنتظار مشروبي ومأكولي، ينظر إلى عينيها اللامعتين المشرقتين
، تحدثه وكأنها تعرفه فتربكه، يجاهد في تفسير إبتسامتها الهادئة الفاتنة ونصوع الأسنان المصفوفة، إنها الحياة المليئة بالمفاجآت السارة والمحبطة، وعليه تقبلها بكل ما فيها لأنه لا إختيارات لديه
ضوء النهار بدأ يخبو بين طيات الشمس التي إنسحبت من على طاولته، ضبطته متلبسا وهو يتأمل عينيها فى حنو بالغ، بدت له رقيقة وحالمة، وجهها يصلح أن يكون لوحة فريدة التكوين، شيطان الشعر يقفز من بين جنباته، يريد أن يكتب فيها شعرا لم يقله علي إمتداد العصور شاعر، بادلته أرقام الهاتف والعنوان، وهي تؤكد قبل مغادرتها على ضرورة اللقاء والإستمساك بهذه اللحظة الفريدة، شاكرة الريح الطيبة التى جمعتهما، قائلة وهى تلوح له مودعة : سأهاتفك وألقاك قريبا ياأسامة .. !!
غادرته الجميلة التى كانت طوال الوقت، تخاطب إنسان آخر، يتمدد الوجع بداخله لأنه ليس أسامة .. !!
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق