#كالحجارة
**قصة لخالد العجماوي.
كان عليّ أن أحمله على عاتقي كلًّ صباح، أضعه على كتفي كأنه شوالٌ من أرز، أو كأنه حمولةٌ من الطوبِ الأحمر الخشن، ثم أسيرُ به قرابةَ الكيلو مترين، حتى أصلَ إلى تلك الأرضِ الفضاء، والتي تبعدُ عن المشفى بما لايزيدُ عن نصفِ الكيلو، فأتركه هناك وأرحلُ وأنا غير خائف عليه. متولي ولدٌ مباركٌ كما تقولُ أمي. ورغمَ أنها لا تعلمُ أني أتركه في تلك الأرض الخربة وأمضي، إلا أني لم أكن قلقا. لن يأخذه أحد أو يخطفه طلبا لفدية، كما أنه لن تطمع فيه امرأة عاقر فتتخذه ولدا. فلتطمئن أمي إذن، وليهدأ ذلك الصوت الثائر الذي يقرع في ضميري حين أتركه كل صباح، والذي تخفت حدته تدريجيا وأنا أحمله على عاتقي حين رجوعي إلى منزلنا الصغير في آخر الحي.
لمْ يكنْ مُتَوَلِّي جُزْءًا مِنْ مهامي الصَّبَاحِيَّة فِي الْمَاضِي القِريب. لَدَى أُمِّي وَلَدَان ؛ أَنَا الْكَبِير ، وَاَلَّذِي ظِلّ وَحِيدًا مُدَّة امتدت ثَمَانِي سَنَوَات، ثُمَّ حَضَرَ ابْنِهَا مُتَوَلِّي مُتَأَخِّرًا جِدًّا، كَأَنَّهُ قَدْ نَامَ فِي بَطْنِ الْقَدْر سِنِين،
حَتَّى لَاحَت لَهُالفُرْصَةُ قَبْلَ وَفَاةِ وَالِدِي بِشَهْرَيْن، فَقَرَّر البزوغ إلَى الدُّنْيَا بولولة خَافَتْة وشت بِطِفْل مَرِيضٍ غَيْرِ مُكْتَمَل النُّمُوّ . سَمِعْتُ أَنَّ السَّبَبَ هُوَ نَقْصٌ الأُكْسِجِين أَثْنَاء الْوِلَادَة، كَمَا سَمِعْت أَنَّهَا عَيْنُ جارتنا سَيِّدِة. أَيًّا كَانَ السَّبَب، فَقَدْ صَارَ لديّ أَخ وَحِيدٌ، كُتِبَ عَلَيْهِ أَنْ يَظَلّ حَيًّا ككومة فَوْقَ كُرْسِيٍّ مُتَحَرِّك ، كَمَا كُتِبَ عَلَيْنَا أَنْ نَكُونَ نَحْن - أَنَا وأمي- يَدَيْهِ وَرِجْلَيْهِ ، بَل وحفاضته فِي بَعْضِ الْأَحَايِينِ ..
كَأنَّ الْقَدْرَ لَمْ يَكْفِهِ مَا فِي حَيَاتِنَا مِن قَتامَة، فَأَرَادَ أَنْ يَزِيدَ مِنْ سَوَادِ الْحُزْن وَكَآبَة الْخَيْبَة فَوْقَ مَا نَعيش ونعانيقُلْت إنَّ مُتَوَلِّي لَمْ يَكُنْ جُزْءًا مِنْ مهامي الصَّبَاحِيَّة ، بَيْدَ أَنَّهُ صَارَ جُزْأَهَا الْأَهَمُّ بَعْدَ أَنْ قَرَّرْتُ أُمِّي أنْ تَعْمَلَ فِي بَيْتِ إِحْدَاهُنَّفِي ذَلِكَ الْمَجْمَع السكني الرَّاقِي ، وَاَلَّذِي يَبْعُد عَنَّا كَثِيرًا جِدًّا عَلَى مَا يَبْدُو . كَانَتْ قَبْلَ عَمَلِهَا هُنَاك تَحْمِل مُتَوَلِّي عَلَى عَاتِقِهَا الْعَجُوز، وَقَد اِنْبَسَط جِسْمه لِيُصْبِح كَلَوْح مِنْ خَشَبٍ، فِي طَرَفِهِ السُّفْلِيّ اثْنَانِ مِنْ السِّيقَان، رفيعان، وَقَد تَصَلُّبا مُنْعَقِدَيْن فَوْق بَعْضِهِمَا ، بَيْنَمَا فِي طَرَفِهِ الْعُلْوِيّ وَجْه مُتَوَلِّي .وَجْه طِفْلٍ فِي الثَّامِنة. . عَيْنَاه تلمعان، بَيْنَمَا فَمُه مَفْتُوحٌ بابتسامة بَله، وَقَد انسَل رِيقُه مِنْ جَانِبِهِ، وَهُو يُضَمّ ذِرَاعَيْهِ إلَى صَدْرِهِ الْهَزِيل. تَسِيرُ بِهِ أُمِّيٌّ فِي الطُّرُقَاتِ الَّتِي تَنْحَدِر نَحْو سُوق الْحَيّ، فتشتري لَنَا اللَّبَن، وَالْجُبْن، وَأَرْغِفَة الْخُبْز، تَحْمِلُهُم بِيَدِهَا الْيُمْنَى، وَقَد اِنْشَغَلَت الْيُسْرَى بِتَطْوِيق لوحها الْآدَمِيّ الْمَحْبُوب. أَسْمَتْه أُمِّي بِمُتَوَلِّي لِأَنَّهَا رَأَتْ أَنَّ اللَّهَ يَتَوَلَّاه، وَأَنَّه لاشك وَلَد مُبَارَك لطالما تساءلت كَيْف تَفَكَّر هَذِهِ الْمَرْأَةِ ؟ كَيْف لَهَا أَنْ تُحِبَّ كَائِنًا يُرْهِقُها كُلُّ هَذَا الْحَدِّ لِمُجَرَّد أَنَّهَا وَلَدَتْهُ .!
لماذا لا أكفيها وحدي؟ لماذا متولي؟؟
الكَارِثَة أَنَّهَا صَارَتْ تُرِيدُ أَنْ تَتْرُكَهُ كَي أَحْمِله عَلَى عَاتِقِي أَنَا ، بَيْنَمَا تَذْهَب هِي لِتَعْمَل فِي ذَلِكَ الْمَجْمَع الرَّاقِي البعيد. هَل مطْلُوبٌ مَنِيٌّ أنْ أَحْمِلَ ذَلِك اللَّوْح الْآدَمِيّ يَا أُمِّي؟ ألَّا تَعْرِفِين أنِي قَدْ نَجَحْت بتفوق كَبِير، وَأنَّ عَلِيَّ أَنْ أَتَقَدَّمَ بأوراقي لِكُلِّيَّة الطِّبّ أَخِيرًا، كَي أحقق أَحْلاَمِي الَّتِي طَالَمَا شَغَلَتْنِي. أَلَا تَرَيْنَ إِنَّك تقسين عَلَى ابْنَك الْكَبِير الْمُتَفَوِّق الَّذِي هُوَ أَنَا ، لِأَجْل ابْنَك الخشبي الْأَبْلَهِ الَّذِي تزعمين أَنَّهُ مُبَارَكٌ؟ ظَللت أُفَكِّر مَاذَا أَفْعَلَ فِي الصَّبَاحِ. وجِدَت الْحلّ فِي الْأَخِيرِ بَيْنَمَا أَسِير وَأَنَا أُحْمَلُ اللَّوْح فَوْق عَاتِقِي، مُتَّجِهًا صَوْب كُلِّيَّةِ الطِّبّ. ثَمَّة أَرْض خَرِبَة قَرِيبَةمِنْ المشفى الْخَاصّ بِالْكُلِّيَّة. قَرَّرْت أَنَّ أَتْرُكَ اللَّوْح هُنَاك. اُتْرُكْه مَع ابتسامته الْبَلْهَاء، وَرِيقِه الَّذِي ينسدل مِنْ فِيهِ، وَأَذْهَب أَنَا صَوْب حُلْمِي ، حَتَّى أَرْجِعَ إِلَيْهِ آخَرَ النَّهَارِبَعْدَ أَنْ أَنْتَهِيَ مِنْ الدَّرْسِ، فأحمله وأمضي. فَكَّرْت أَنَّهُ رُبَّمَا أَجِد تَفْسِيرًا لِحُبّ أُمِّي لِمُتَوَلِّي، رُبَّمَا هِي هرمونات الْأُمُومَة. هَلْ مِنْ سَبِيلٍ لانتزاعها إذْن ؟ فَكَّرْت كَذَلِكَ فِي عِلَاج رُبَّمَا. مَنْ يَدْرِي ! الْمُهِمّ
أَلَّا يَكُونَ ذَلِكَ اللَّوْح عَثْرَة فِي طَرِيقِ نجاحي. ملابسي رَثَّة، وحذائي قَدِيمٌ ، وَوَزْن مُتَوَلِّي فَوْق عَاتِقِي حملٌ عَلَى الْحَذَّاء، وَعَلَى قَمِيصِي الْمِسْكِين. وضعت مُتَوَلِّي عَلَى الرَّصِيفِ عِنْدِ الْأَرْضِ الْخَرِبَة ، نَظَر إليّ بِعَيْنَيْه اللامعتين وابتسامته الْعَجِيبَة.تَركَته وَمَضَيْت . كَان درسي الْأَوَّلِ عَنْ الدَّوْرَة الدَّمَوِيَّة فِي أَجْسَادِنَا. يَتَكَوَّن الْقَلْبِ مِنْ أَرْبَعَةِ غَرَف، وينبثق مِنْه شريانان كَبِيرَان، وَهُوَ الْمَسْئُولُ عَنْ دَوْرُة الدَّمِ فِي جِسْمٍ الإِنْسان.
شَعَرْت وَكَأن الدَّرْس يطربني .شَعَرْت بِلَذَّة وَأَنَا أُمْسِكُ الْقَلْب فِي يَدِي، تفحصت الأورطي، وَشَاهَدْت نِيَاطُ الْقَلْبِ بِعَيْنِي، بَيْدَ أَنِّي لَمْ أَجِدْ تَفْسِيرًا لِحُبّ أُمِّي لِمُتَوَلِّي بَعْد!ّ انْتَهَى درسي الْأَوَّل ، ذَهَبَت بِقَلْب واجِف صَوْب الْأَرْض الْخَرِبَة. وَجَدْته هُنَاك. لاتزال ابتسامته قابعة عَلَى وَجْهِهِ . عَجِيبٌ أَنْت أَيُّهَا اللَّوْح! عَلَام تبتسم ؟! .راعني ما وجدته في كفه اليمنى؛ كمشة تحوي خمسين جنيها! حَمَلْتُه وَقَد دسستها فِي جَيْبِي . دقات قَلْبِي سَعِيدَة . . نَعَم أطربني الدَّرْس وَلَكِن الكمشة أسعدتني أَكْثَر . لَاحَظَت أُمِّي بَشَاشَة صَارَت تُهِلّ مِنْ وَجْهَيِ ، قَالَت أَنَّهَا سَعِيدَة بِي ، لِأَنَّنِي أَحْمِل أَخِي الصَّغِيرَ فَلَا أمْتَعَض . أَخْبَرَتْهَا أَنَّهُ أَخِي ، وَإِنِّي أُحِبُّ أَنْ يرافقني فِي أَحْلاَمِي . .كان درس اليوم التالي عن دقات القلب. كنت أسْتَمَع و قَلْبِي يَتَسَارَع . رَجَعْتُ مِنْ الدَّرْسِ مُهَرْوِلَا لَأَجِدُ فِي كَفِّ مُتَوَلِّي كَمْشَةً جَدِيدَة بِهَا مِائَةَ جُنَيْهًا . . عَرَفْت وَقْتهَا أَنْ مُتَوَلِّي كَنْزٌ كَبِيرٌ لِي . . لَن اُتْرُكْه ، كَمَا أنَّنِي لَن أَدَعُه يَتْرُكْنِي . . بِهَذَا الْمُعَدَّل يَا مُتَوَلِّيَ تَسْتَطِيعُ أَنْ تَحَقَّقَ أَحْلاَمِي فِي كليتي العَتِيدَة . . أَسْتَطِيعُ أَنْ أَشْتَرِيَ حِذاءً جَديداً ، كَمَا أَسْتَطِيعُ أَنْ أطبع المذكرات.صِرْت حَرِيصًا كَي أَخَذ مُتَوَلِّي مَعِي، وتساءلت فِي طَرِيقِي عَنْ أُولَئِكَ الْمَجَانِين الَّذِين يَتْرُكُونَ أَمْوَالَهُمْ فِي كَفِّ أبِلِه . لَم أذْهَبْ إلَى الدَّرْسِ ذَلِكَ الْيَوْمِ . تَرَكْت مُتَوَلِّي هُنَاك وَذَهَبَت غَيْرُ بَعِيدٍ ، أتلصص مِنْ وَرَاءِ حَجَر ، كَي أَرَى أُولَئِكَ الَّذِينَ يَتْرُكُونَ أَمْوَالَهُمْ عِنْدَ مُتَوَلِّي . وُجدتُ زميلتان ، عرفتهما مِن دروسي الْمَاضِيَة ، يَسِيرَان نَحْو مُتَوَلِّي، حَتَّى جَلَسْتُ عِنْدَهُ إحْدَاهُمَا عَلَى رُكْبَتَيْهَا، وهي تنظر نحوه في حنان، وتمسح عنه ريقه الذي كاد يسقط من فيه، ثم تضع كمشة في كفه، وإذا بالأخرى تضع كمشتها، ثم تمضيان. مغفلتان!
لم تمض دقائق حتى وجدت زميلا، عرفته كذلك من المحاضرات السابقة. وجدته يهرول نحو متولي، ويربت على وجهه، ثم يترك كمشة، ويسأله الدعاء، ثم يمضي.
ما أجمل المغفلين في هذا العالم إذن!
حملته على عاتقي فوجدته في وزن الريشة. لم تعد ثقيلا يا متولي. صرت أشعر وكأنك أنت من تحملني يا رجل!
فِي الْعِشَاءِ نَظَرْت لِي أُمِّي نَظَرِة طَوِيلَة . قَالَت أَنَّهَا تحبني كَثِيرًا ، وَأَنَّهَا تُقَدَّرُ مَا أَفْعَلَهُ لِأَجْلِهَا وَأَجَل أَخِي . قَالَت أَنَّهَا قَرَّرْتَ أَنَّ تَخَف عبئي، وَأَنَّهَا قَدْ وجِدَتْ مَكَانًا تَتْرُك فِيه مُتَوَلِّي قَبْل ذَهَابهَا إلَى الْمَجْمَع السكني، وَإِنَّنِي لَن أَخَذَه مَعِي غَدًا . هيهات!
صَرَخَت فِي وَجْهِهَا مُعَنَّفًا . لَن اُتْرُكْه يَا أُمِّي . مُتَوَلِّي أَخِي ، كَيْف لِي أَنْ اُتْرُكْه وَقَدْ رَافَقَنِي طِيلَة الْأَيَّامِ الْمَاضِيَةِ . كُلًّا لَن أَسْمَح لِأَحَدٍ أَنْ يَأْخُذَهُ مِنِّي. وُجِدَتْ فِي عَيْنَيْهَا انْدِهاشا. ربتت عَلَى كَتِفَيْ ، كَمَا أهدتني قَبْلَةً عَلَى جَبِينِي ، وَعَيْنَاهَا مفعمتان بِالرِّضَا. في الصباح قال لي زميلي شيئا لطيفا. إن ثمة طفل معاق في أرض خربة قريبة من مشفى الكلية..ابتسامته جميلة، كما أنه مبارك، حيث أن جميعهم قد لاحظ أن ذلك الطفل إذا ما ابتسم لأحد فإنه بالتأكيد سوف ينجح في امتحان اليوم. أكد لي زميلي أنه جربها بنفسه، وأن ذلك الولد مبارك حقا، وأن ابتسامته حلوة كالقمر!
لَقَدْ بَلَغْتَ شَهَرَةُ مُتَوَلِّي أرْجَاء الْكُلِّيَّة إذْن ! لطالما كُنْت ألْعَن الْجَهْل، وألعن الْمُغَفَّلِين الَّذِين يَتَمَسَّحُون فِي أفْكَارٍ بالِيَةٍ ، وَعَقَائِد غَرِيبَةٌ ، لَكِنِّي الْيَوْم أعشق جَهْل الْجَاهِلِينَ ، وَعَشِق الْمُحِبِّين . . فَكَّرْت كَيْف لِطَلَبِة ينهلون مِنْ الْعُلُومِ مَا ننهل أَنْ يَكُونُوا بِهَذَا الْجَهْل ، لَكِنِّي سُرْعَانَ مَا نَفَضْت عَنِّي هَذِهِ الْأَفْكَار خَوْفًا مِنْ أَنَّ يَقْرَأَهَا زَمِيلِي بَيْنَ عَيْنِي، وأومأت بِرَأْسِي مُوَافِقًا، وَمَضَيْت فِي طَرِيقِي وَقَلْبِي يَرْقُص مِنْ سَعَادَةِ . .
كَان لَدَيّ مُهِمَّةٌ مُحَدَّدَة؛ ألَّا يُلَاحِظ أَحَدُهُم أنِّي أَخَذ مُتَوَلِّي وأمضي . لَا أُرِيدُ أَنْ يَعْرِفَ أَحَدُهُمْ أَنْ مَحْبُوبَهُم ذَا البسمة الْمَشْرَقَة الْمُبَارَكَة تِلْكَ هُوَ أَخِي الَّذِي أَحْمِلُه فَوْق عَاتِقِي . .كان عليّ أن أنتظر إذن حتى يَحِلّ اللَّيْل بِبَعْض سَوَادَه ، فَأَحْمِل مُتَوَلِّي عَلَى عَاتِقِي خِلْسَة، وَأَذْهَبُ بِهِ مُسْرِعا نَحْوَ الْبَيْتِ، وَأَنَا أخمن عَدَد الكمشات الَّتِي قَدْ يَكُونُ قَبْضهَا فِي ذَلِكَ الْيَوْمِ نَظِير بسمته الْبَلْهَاء ! . لمّا سَأَلْتنِي أُمِّي متعجبة عَنْ سِرِّ تَأَخَّرِي أجبتها فِي بِسَاطِة، أَن الدُّرُوسِ فِي الْكُلِّيَّةِ تَمْتَدُّ إلَى اللَّيْلِ أَحْيَانًا ، وَإِنِّي لاَبُدَّ أَنْ أتحلى بِالصَّبْر ، وَأَنَّهُ لَيْسَ عَلَيْهَا أنْ تقلِق عَلَى أَخِي ، لِأَنَّهُ فِي يَدِ أَمِينِة تَهْتَمّ بِهِ مِثْلُهَا . كَمَا أَنَّهَا سَأَلْتنِي مُؤَخَّرًا لِأَنَّهَا لَاحَظَت أَنِّي لَمْ أعُدْ أَطْلُب مِنْهَا مَصْرُوفِي كَالْعَادَة. أجبتها فِي زَهْو أَن مُكَافَأَة تفوقي تَكْفِينِي، وَإِنِّي مُثَابِرٌ عَلَى دروسي ، وَلِذَلِك فَإِن الْكُلِّيَّة تَمْنَحْنِي مَزِيدًا مِن الكمشات تشجيعا!
ولكن الأمور تعقدت في الأيام الأخيرة. لَمْ يَعُدْ مُتَوَلِّي يَبْتَسِم كَعَادَتِه . صَارَ فِي وَجْهِهِ أَمَارَات أَلَم ، كَمَا أَنَّ حَرَارَتِه قَدْ اِرْتَفَعَتْ ، وَقَدْ صَدَرَ أَزِيز عَجِيبٌ مِنْ صَدْرِهِ .
غَاب مُتَوَلِّي عَنْ الْأَرْضِ الْخَرِبَة. وَغَابَت مَعَه الكمشات والنفحات . سَمِعْت بَعْضُهُمْ فِي الْكُلِّيَّةِ يَسْأَل أَيْنَ ذَهَبَ الْوَلَد الْمُبَارَك. وُجِدَت بَعْضهُمْ وَقَدْ تَشَاءَم كَانَ مُتَوَلِّي هُو أيقونته وَسِر نَجَاحِه الصَبَاحِيّ ، فَأَيْن ذَهَب يَا تُرَى ؟ !
كُنْت مُهْتَمًّا بِعِلَاج مُتَوَلِّي بِنَفْسِي . لَا بُدَّ أَنْ يَسْتَعِيد صِحَّتِه سَرِيعًا . . شَحَت الكمشات وتضاءلت أَحْلاَمِي يَا مُتَوَلِّيَ . . قُم وَانْهَض وَكُن مُفِيدًا أَيُّهَا الْأَبْلَه ! وَلَكِن الْوَلَدِ لَمْ يَسْتَمِعْ إلَيّ. سَاءتْ حَالَتُهُ، وأزيز صَدْرِه يَعْلُو وَقَد تسارعت وَتِيرَة أَنْفَاسَه.. وُجِدَت أُمِّي تَبْكِي، وَهِي تحتضنه بَيْنَ ذِراعَيْها فِي هَلِع. مَسَحَت عَنْه رِيقَه الَّذِي تَدَلّى مِنْ فِيهِ ، وَقَدْ فقِدَ هُو بسمته الَّتِي اعْتَادَهَا النَّاظِرُون إلَيْه . قَرَّرْتَ أَن أَخَذَهُ فِي الصَّبَاحِ إلَى المشفى ، وليعرف الزملاء أَنَّهُ أَخِي . . لَا يَهُمَّ . .
لِمَا دَقَّت الثَّامِنَة ذَهَبَت إلَيْه كَي أَحْمِلُه ، بَيْدَ أَنِّي وَجَدْته بَارِدًا كَالثَّلْج ، وَعَيْنَاه شاخصتان إلَى السَّقْف ، وَقَدْ سُكِّنَ قَلْبِهِ إلَى الأبَدِ .
مَوْت مُتَوَلِّي فاجِعَة كُسِرَت قَلْب أُمِّي الْمِسْكِين ، كَمَا أَنَّهُ كارثة حَلَّت عَلَى مُسْتَقْبِلِي فِي تَحْقِيقِ حِلْمِي . هَل سأستطيع بَعْدَهُ أَنْ اسْتَكْمَلَ دراستي ؟ مِن سَيَقُوم بِالصَّرْف عَلِيّ؟! مِن سيأتيني بالمذكرات، وبقميص وَحِذَاء جَدِيدَيْن ؟ مِن سيهبني الكمشات غَيْرِك يَا مُتَوَلِّيَ ! بَكَتْه أُمِّي بِحَرْقِه ، بَيْنَمَا بَكَيْت أَنَا مُسْتَقْبِلِي وأحلامي .
فِي الْكُلِّيَّةِ تَنَاثَرَت عَلَى مسامعي أَسْئِلَة حَائِرَة ، وَرَأَيْت وُجُوهًا كَثِيرَةً واجمة؛ كَانَتْ قَدْ اعْتَادَتْ أَنْ تُصْبِحَ عَلَى مُتَوَلِّي قَبْلَ كُلِّ دَرْسٍ وَامْتِحَان. أَيْنَ ذَهَبَ الْوَلَد الْمُبَارَك ؟ أَيْنَ ذَهَبَ ذُو الابْتِسَامَة الْجَمِيلَة والبريئة ؟ هَل أَخَذَتْهُ أُمُّهُ إلَى مَكَان آخَرَ ؟ كُنَّا نَوْد لَو نُقَابِل تِلْك السَّيِّدَة المحظوظة ، فنخبرها أَن لَدَيْهَا كَنْزًا ثَمِينًا فِي عَيْنِي ذَلِكَ الْوَلَدُ . أَرَدْنَا أَنْ نخبرها أَن ابتسامته فِي الصَّبَاحِ كَانَتْ تَعْدِلُ مزاجنا إلَى الْأَحْسَنِ كُلَّ يَوْمٍ . سَمِعْت أَحَدَهُمْ يُقْسِمُ أَنَّهُ كَانَ يَطْلُبُ مِنْ مُتَوَلِّي أَنْ يَدْعُوَ لَهُ ، فَإِذَا مَا نَظَرَ إلَيْهِ مُتَوَلِّي وابتسم ، عُرِفَ أَنَّ الْحَظّ سيبتسم لَهُ أَيْضًا . أَمَّا إذَا لَمْ يَكْتَرِثْ ، وَنَظَرَ إلَى اللاشيء فِي السَّمَاءِ ، أَدْرَكَ أَنْ التَّوْفِيق لَنْ يَكُونَ حَلِيفُه يَوْمهَا .
تساءلت فِي مَرَارَةِ : هَلْ كَانَ قَدْرِي سَيِّئًا أَن جَعَلَنِي أَخَا لِمُتَوَلِّي ، أَم أَنَّهُ قَدَّرهُ السَّيِّء أنْ جَعَلَهُ أَخَا لِي . شَعَرْت وَكَان الْقَدْر شَيْخ يتكيء عَلَى سَحَابَة؛ يَنْظُرُ إلَيَّ بسخرية مِنْ فَوْقِ ، وَقَدْ جَعَلَ مِنْ وَلَدِ مُثَابِر عَلَى الدَّرْسِ وَالْعِلْم مُجَرَّد طَالب لَا يُعْرَفُ عَنْهُ أَحَدٌ ، بَيْنَمَا جُعِلَ لِوَلَدِ مَشْلُول الدِّمَاغ شَهَرَة وَقَبُول وَسَط كُلِّيَّةٌ عِلْمِيَّة عَريقَة !
قَرَّر الزملاء مِمَّن اعْتَادُوا أَن يزوروا أَرْض مُتَوَلِّي أَن يبحثوا عَنْه . عَرَفْت أَنَّهُمْ يَقُومُونَ بِالتَّحَرِّي . أَصَابَنِي الْخَوْفِ أَنْ يَعْرِفُوا السِّرّ . سَمِعْت أَحَدُهُم يَزْعُمُ أَنَّ لَهُ أُخْتًا هِيَ مِنْ كَانَتْ تَتْرُكُه . . سَمِعْتَهُمْ يَقُولُونَ إنَّهَا كَانَتْ تَتْرُكُه ، ثُمّ تسترده فِي الْمَسَاءِ ، وَأَنَّ تِلْكَ الصَّدَقَات الَّتِي كَانُوا يضعونها فِي كَفِّهِ إنَّمَا هِيَ للمشفى الَّتِي تُعَالَج فِيهَا أُمّه الْمَرِيضَة . وَجَدْتها كَذَّبَة مَعْقُولَة . عضدتها بِأَن زَعَمَت أَنِّي وَجَدْته مَرَّة وَبِجَانِبِه فَتَاةٌ كَأَنّهَا أُخْتُه . سَأَلَنِي زُمَيْل عَن شَكْلِهَا ، تَظَاهَرَت بِأَنَّنِي أَتَذْكر . . نَظَرْت إلَى السَّحَاب وَأَنَا أدقق ، غَيْرَ أَنِّي هَزَزْت رَأْسِي وَقَد فَشُلَّت فِي أَنَّ أَتَذْكُر شَكْل الفَتَاة . فِي اللَّيْلِ وَجَدْت ذَلِكَ الشَّيْخُ يتكيء فَوْق السَّحَاب ، وَهُوَ يَنْظُرُ إلَيَّ بسخرية ، وَيَضْحَك مِلْء شِدْقَيْه . هَلْ كَانَ ذَلِكَ الشَّيْخُ يَسْكُن فَوْق السَّحَاب ، أَمْ كَانَ يَسْكُنُ فِي إحْدَى تِلْكَ الْغُرَفِ الْأَرْبَعَةِ فِي الْقَلْبِ ؟ فِي الْمَسَاءِ ذَهَبْتُ إِلَى مَحَلٍّ لِلتَّصْوِيرِ وَفِي يَدِي صُورَة قَدِيمَةٌ لِمُتَوَلِّي وَهُو يَبْتَسِم . طَلَبْت أَنْ يُكَبِّرهَا حَتَّى تَكُونَ فِي طُولِي . وَاشْتَرَيْت كُرْسِيًّا بعجلتين . لمّا دَقَّت الثَّامِنَةَ فِي الصَّبَاحِ ذَهَبْتُ إِلَى الْأَرْضِ الْخَرَاب قَرُب المشفى ، وَوَضَعَت الصُّورَة فَوْق الْكُرْسِيّ وَذَهَبَت . لَمَا حَلَّ الْمَسَاء رَجَعَت لَأَجِد الْكُرْسِيّ وَفَوْقَه الصُّورَة المكبرة ، وَتَحْتَهَا عَشَرَات مِنْ الكمشات ، فَبَدَت كَأَنَّهَا أَجْنِحَة فراشات فَوْق أَكْوَام الْحِجَارَة . أَخَذَت أَعَدّ حَصِيلَة الْيَوْم . وَفِي الصَّبَّاح وجدت وُجُوه زملائي وَقَدْ عَادَ فِيهَا بَعْضُ الْأَمَل . بادلتهم وَجْهًا بَاسِمًا ، بَيْدَ أَنِّي رَأَيْتُ ذَلِكَ الشَّيْخُ يتكيء دَاخِل إحْدَى الْغُرَفِ فِي صَدْرِي وَهُوَ يَضْحَكُ مِنِّي!
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق