جائنا البيان التالي
أمر سلطان البلاد المخلصين من حوله والشرفاء المشهود لهم بإخلاصهم له وبأماناتهم وحبهم للبلاد أن يوزعوا الأرزاق على سكان البلاد وفقرائها ومعسريها وأسرهم وأمر أن تدفع أجور المستأجرين وطلب من شيخ بندر التجار أن يضع أسعار للبضائع المستهلكة وأن يعاقب كل من يخالف هذه الأسعار بإغلاق محلاتهم وتطبق هذه الأسعار على جميع المحلات إبتداً من محلات الإسكافية حتى تجار الجملة مروراً بتجار التجزئة وبائعي الماشية والدواجن وبائعي الزيوت وخاصة تلك الزيوت التي يستخدمونها في الإنارة ففرحوا سكان البلدة فلم ترى البلاد معتاز بعد صدور تلك الأوامر وعلت المأذن بالدعاء بأن يطيل الله في عمر سلطانها وعم الرخاء أرجاء البلاد وملئت البطون الخالية فتفتحت العقول بعد ضمورها وخاصة العقول التي كان همها أن تسعى لقوت يومها وهي الطبقة الكادحة فبعد إن أمنت من تلك الناحية أبت أن ترتاح في عهد الرخاء لأنهم اعتادوا أن لا يأكلوا إلى من عرق جباههم فهرعوا إلى مزارعهم التي جدبت أرضها بعد إن تركوها وأعادوا حفر الآبار بعد إن جفت مياها فاخضرت الأرض بعد إن يبست وأصبحت البلاد جنة خضراء وعادة العصافير تغرد على أغصان أشجارها الوارفة وكأن أمر السلطان شملها فعادة بناء أعشاشها بعد إن أعاد السكان بناء مساكنهم التي غدت أوكار للشياطين وتوسعت البلاد بعد إن ضاقت مدنها وهدئت أعصاب أهلها بعد إن كاد الزحام يشلها , ووصلت الأرحام بعد ما قطعها الاغتراب فتخلت النفوس عن مطامعها وتعففت عن ما يشينها فلم تجد البلاد مختلس أو مرتشي وعاد السكون يعم أرجائها بعد إن طبق العدل قضاتها دون تهاون فمثل بالخائن وقطعت يد السارق وقتل القاتل ورجم الزاني وكبلت أيادي الفسوق ، وعندما استقرت الأوضاع لم ترضى البطانة الفاسدة التي حوله والتي لم يكشفهم وهم المراوغون الذين يدعون له بالولاء والطاعة ويحيكوا له في الخفاء بالمكائد ليحولوا حب شعبه له إلى سخط ودعائهم له إلى دعاء عليه .
فدخلوا عليه وهم ناصحون وقالوا له هناك يا مولانا السلطان مبلغ من المال في خزينة بيت المال فائض لما ذا لا يأمرنا مولاي بإضافته إلى مخصصات الرواتب ويكون كزيادة في رواتب العاملون لدى الدولة كي يسعدوا به ويدعوا لكم بطول البقاء ! فقال لهم أفعلُ ما ترونه يخدم المصلحة العامة والدال على الخير كفاعله فخرجوا وهم يتهامسون بتلك المكيدة التي أرادوا بها سخط العاملون وهم أبناء ذلك الشعب الطيب فقرروا زيادة دانق واحد لكل عامل توزع على معاشاتهم البسيطة وعمم خبر ذلك الدانق على البلاد فأصيبوا بالنكسة التي أرادوها المتآمرون فمن سمع بخبر ذلك الدانق قال أيهزء منا مولانا السلطان أدانق واحد يكون مكافئة حبنا له وأصيبوا بخيبة الأمل ولإحباط فسمع أحد الحكماء بخبر ذلك الدانق وبسخط عامة الشعب على مولاه وهو ممن يكن لذلك السلطان الحب والولاء فهرع مسرعاً إلى قصر السلطان وأستأذن حاجبه بالدخول عليه فأمر السلطان بدخوله ، فدخل وهوا يقول السلام على سلطان بلاد السعادة السلطان الرحيم بشعبه الحاكم العادل فيهم الغادق عليهم بالدنانير, كيف لا وهم الفرحين بولايته الداعون له بالسر والعلن وكان من حكمة السلطان الإنصات والسماع للمتكلم حتى ينقضي حديثه فأسترسل الحكيم في حديثه وقال سيدي إن من أشار عليك بهذه الزيادة ليس ممن يكن لك الاحترام ولم يرد بك وبشعبك خير إنما هي مكيدة أحيكت لك في الخفاء كي يبدلوا حب شعبك لك إلى سخط ودعائهم لك إلى دعاء عليك أسحب يا مولاي السلطان ذلك الدانق قبل أن تسمع به الشعوب من حولنا وتسمى بلد السعادة بذلك الدانق !!!!!!! فنهض السلطان وهو يقول ويحك لولا إنك ممن يصدقون الحديث لأمرت بقطع عنقك ! وضح ما جئت به فقام ذلك الحكيم وقد كان جاثياً على ركبتيه ووضح له ما حصل في بلاد السعادة فأمر السلطان بإحضار عامليه وخاصة الذين أقروا الزيادة وصفدوا بالأغلال وأمر السلطان بأبدال تلك الزيادة إلى دانق لكل دانق فأصبح من يأخذ خمسمائة دانق يأخذ آلف دانق ففرح الشعب بتلك الزيادة ونادوا بالدعاء لمولاهم السلطان بطول البقاء وفتحت أبوابهم أمام ضيوفهم بعد إن أغلقها الفقر وأضيئت فوانيسهم بعد إن أطفئها خوفهم من عابر السبيل
وأدرك شهريار الصباح وسكت عن الكلام المباح / عبد الرحمن الحازمي
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق