مذكرات (أنا وقصصي وبلبل)
كنا نلتقي مرتان في الأسبوع، وفي أحيان كثيرة كنا نتحايل على نظامنا هذا، ضاربين به عرض الحائط، فتصبح مواعيدنا شبه يومية!كان يلذُّ لي طوال فترة تجوالنا الحميم، الأمساك بأصابع يدها البيضاء الرشيقة،كنت أبذلُ جهداً طيباً حتى لاتفلت أصابعها المنزلقة من يدي، قلتُ لها ونحن نجلسُ على العشب ذات مرّة :
-هل لك أن تخبريني عن لون عينيكِ الحقيقي؟ . أتذّكر أنها قَطبتْ حاجبيها وكفّتْ عن جذب العشب بأصابعها الطرّية، كادتْ تَفلتُ من فمها الصغير ضحكة، ظنّتْ الأمر مزحة، بيد أن ملامح وجهي الجادة جعلتها تحمرُّ، بعد برهة تَنهدتْ، أدركتْ بلبل بأن الأمر حقيقي، قالتْ :
-أمي أيضاً لاحظتْ هذا، هي سألتني مرّة عن سبب تزاحم الألوان في عينيّ، في ذاك اليوم ضحكتُ كثيراً، لكن أمي لم تضحك، كانتْ جادة مثلك. حدّقتُ في أصابعها،كانتْ تجذبُ العشب بطريقة آلية رتيبة، أمسكتُ بكفّها، كادتْ اصابعها أن تنزلق كما في كل مرّة،فَكرتُ مع نفسي، هل تستخدم مرهماً معيناً يجعلهما تنزلقان هكذا؟ كنت أودُّ أن اسألها عن ذلك، لكني عوضاً عن هذا قلتُ لها :
-قد يكون انعكاس أشعة الشمس في عينيكِ هو السبب في تزاحم الألوان،أنظري، أخضر،أزرق،بني! اتعرفين؟ بوسعي إحصاء المزيد منها، اشاحت بعينيها، تَركتْ أصابعها تغرق في كفّي الدافىء، قالتْ فجأة :
-هل أطلب منك شيء !؟ قد يكون طلبي غريباً لكنه لن يصبح كذلك لو عرفتَ السببْ. أومأتُ برأسي، قالتْ وقد التمع في عينيها مايشبه الأمل الكبير :
-أريدك، أريد منك أن تكتب وأن تطبع كتاباً ، أمنيتي رؤية أسمك الحلو على غلاف كتاب. كانت تتكلم بلسانها وتومىء برأسها الفاتن،تباً لي، الهذه الدرجة كنت غبيا فلم أشعر بأمانيها؟ رَفعتُ ذقنها بطرف أصبعي، ياللمخلوقة المسكينة، لقد عادتْ تَجذبُ العشب بأصابعها مرة أخرى، قلتُ لها بصوتٍ جاد :
-سأفعل. فجأة أشرقتْ ملامح وجهها، حدّقتُ في عينيها واكملتُ هامساً :
-لكن لدي شرط، ولن أحيد عنه ولو قيد أنملة!. قَطبتْ حاجبيها ولاح بعض الأسى في عينيها، أكملتُ ضاحكاً :
-شرطي يابلبل أن تصبحي مديرة أعمالي. قلت العبارة بشكل استعراضي فخم، تَوردّتْ وجنتيها واشتدَّ جذب العشب، أومأتْ برأسها موافقة، قالتْ دون أن تنظر لي :
-سأرضى بالثلث من أرباحك، لامجال للمساومة. دَنوتُ منها والتصقتُ بها، استنشقتُ عبيرها، ياربّي، رائحتها العذبة التي أعرفها تجعلني أدوخ، هَمستُ لها بحنان وأنا أكاد أبكي :
-ستكون الأرباح كلها لك، سأرضى بمصرف جيب صغير منك، بل من هذه الكف الحلوة. رَفعتُ كفّها عالياً، كادتْ أن تنزلق، لا،ليس هذه المرّة! طَبعتُ قبلة طويلة اودعتها كل امانينا. أتعرفون شيء؟ لقد مَضتْ شهور طويلة على عهدي لها، لقد أكملتُ كتابة ثلاثة مجاميع قصصية خلالها، وقد سألني الناشر عن الإهداء،قلتُ له بالطبع سيكون لبلبل، مازلت أتذّكر كيف حدّق في بدهشة، سألني من بلبل!؟قلت له وأنا أشعل سيجارة، إنها العصفورة التي لولاها ماكنت أنا!! آه، نسيتُ شيء، هي مازالت تنتظر الأرباح، أما أنا فما زلت أجهل لون عينيها، وربما للأبد. (ملاحظة :قد يكون لها بقية 🤭)
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق