الثلاثاء، 28 يوليو 2020

قصة الوقحة الجزء الثالث بقلم / رعد الإمارة

قصة  (الوقحة /الجزء الثالث والأخير )

نَحّتْ فنجان قهوتها شبه الخالي بظاهر كفّها، ابتسمتْ في وجهي وقالتْ :
-أنتَ طبعاً ليس لديك سيارة.  اومأتُ برأسي وقد انتابني شيء من الحرج، واصلتْ اسئلتها التي بَدتْ بريئة في ظاهرها، همستْ :
-هل تسكن وحدك؟ أعني هل لديكَ شقّة!. هذه المرّة بادلتها النظر، لم أفسح المجال لأن ترمش عيناي، ياللسماء، مااجمل عيناها وما أوسعهما!قلتُ لها وأنا أطرقُ حافّة الطاولة بأصابعي :
-لابد وأنكِ قد عَرفتِ بأني من الجنوب ، أعني لستُ من سكنة بغداد لاقديماً ولاحديثاً، طبعاً لستُ غنياً - نطقتها وكأني اصفعها بلساني-بالتالي ليس لديّ شقّة أو مكتب، بصراحة أنا من الطبقة المسحوقة تماماً!. تَنفستُ بقوّة، شَعرتُ بأني قد أزحتُ أخيراً حملاً ثقيلاً كان جاثماً على صدري، لكني هَربتُ بنظراتي، لم أكن منتبهاً، أمسكتْ بيدي بقوّة هذه المرّة، أخذتْ تحدّقُ في بثباتٍ لعين، تغيّرَ لوني بسرعة وأخذ قلبي يَخفقُ خفقات كبيرة، نَظرتُ يمنة ويسرة، ليس ثمة من يترصدنا، مع ذلك انتابني الحياء، فنحن في حرم جامعي! خلّصتُ يدي من براثن أصابعها المطلية، عَضّتْ على شفتها السفلى، قالتْ بأصرار :
-من يهتم أن كنت غنياً أم فقيراً، أنا فقط أحبُّ أن أعرف من يجالسني، كل شيء عنه، خصوصاً وأنك ستصبح حبيبي!. قالتها وانفجرتْ ضاحكة بصورة لَفتتْ أنظار بعض الجالسين، أنها تستغلُّ خجلي وحيائي الأخرق، هكذا فَكرّتُ قبل أن أطلب فنجاني قهوة لي ولها. تكدّستْ أمامنا فناجين القهوة واكواب الشاي،كان الوقت يمرُّ سريعاً، بالكاد كنا نشعر به، كنا مذهولين عن ماحولنا، عاقل ومجنونة، خجول ووقحة! قبل أن ننهض مسّتْ يدي، هذه المرّة لم أسحبها، حتى أني لم احمرُّ خجلاً!قالتْ وهي تعلّقُ حقيبتها  ذات الصَدف في كتفها :
- هل تريد أن نلتقي خارج أسوار الكلية؟ بعيداً عن هذا المكان، لاترد الآن، فكرّ بالأمر أن كان يروقك، سأعرف الجواب غداً. افترقنا عند باب النادي، أكملتُ طريقي صوبَ قاعة المحاضرات، فيما اتخذتْ هي طريقاً آخر يقودها خارج بناء الكليّة. لا أعرف كيف مضى اليوم، لكني شَعرتُ ولأول مرّة بأن بعضاً من رفاقي كانوا يتهامسون، أما البنات فراح بعضهن يحدّق في بأشمئزاز! لم أهتم للأمر، بل أني أخذت أمزح مع بعضهم بصوتٍ عالٍ ولأول مرة! قبل أن نخرج من الكلية انتحى بي أحد رفاقي ، كنت أميل له كثيراً، لم يتردّدْ، أمسكَ بيدي وهمس :
-لقد شاهدك الجميع مع هذه البنت، كن حذراً فأخلاقها سيئة، ولها أكثر من فضيحة مع الآخرين!أصابني قوله بالدهشة، كان بودي لو تقيأت حينها، رحتُ أحدّق بذهول في ظهر رفيقي الذي أخذ يسير بعيداً حتى اختفى، خيّلَ لي بأن بعضهم أخذ ينظر وهو يهزُّ رأسه بسخرية، لكن لا، كنتُ وحدي في المكان وليس ثمة من أحد. في طريق العودة قادتني قدماي بصورة آلية نحو مطعمي الصغير اللعين، تناولت لقيمات قليلة، كانت عيناي زائغتان، لم أكن أحبها، الأمر  أصبح أكبر من ذلك!ثمة صورة رسمتها عنها في خيالي، رغم جرأتها ووقاحتها، ظننتها نظيفة، صعبٌ أن يتلوّث مثل هذا الكائن الجميل! سرعان ماغفوت بكامل ثيابي، كان التفكير بها قد أرهق ذهني،تباً لي ولها ولبغداد. أحياناً نشعر  بالحوادث قبل وقوعها! كانت تلك صفة لازمتني بعد ذلك لسنين طويلة، قَضيتُ معظم الوقت قبل بدء المحاضرة الأولى بالتفرّج على محلات الملابس والأحذية في ساحة الميدان، كان المكان شعلة من الحركة النشطة رغم برودة الجو، ألقيتُ بعقب السيجارة قبل أن أعبر الشارع حيث واجهني بناء الكليّة بمنظره الكئيب، رحتُ أتلفتُ يميناً وشمالاً، قد تكون بالطابق الأول مع زميلاتها، أغمضتُ عينيّ وأنا أمشي الخطوات المتبقية، أخذتُ أتخيّلُ عينيها ببريقهما العذبْ، ابتسامتها التي تحمل من السخرية الشيء الكثير، أيقظني من سرحاني الجميل ثلّة من الطلاب كدتُ  اصطدم بهم!راحوا يضحكون وشاركتهم ضحكهم المرح وأنا ارتقي درجات السلّم بقلبٍ خافقْ. كان عدد الطلاب والطالبات قليلاً، ليس من أثر لا لها ولا لزميلاتها! مَضيتُ صوب قاعة الدرس، طالعتني وجوه أصحابي المحافظات، أخذوا يتهامسون، بدا الجو كئيباً، دنا اقربهم مني، أعترضَ طريقي وسحبني من ذراعي خارجاً بين دهشتي وصمت الآخرين! قال وهو يضع يده على كتفي :
-يؤسفني إخبارك ، كُنتَ ستعرفُ في كل الأحوال، صديقتك شذى صدمتها سيارة، كانتْ تعبر الشارع صوبَ الكلّية عندما حدث الأمر، أنا آسف ياصاحبي، يقال إنها لم تتألم! لقد ماتتْ بسرعة. ضَحكتُ في البداية !شيء في داخلي دفعني للضحك، كنت أودُّ صفع صديقي الصامت الجادْ، كان الأمر حقيقياً، أن ملامحه تقول ذلك، لا أثر للمزاح إذاً، طيّب ليكن! أبعدتُ يد صديقي، سرتُ خطوات لكن مترنحاً، بَدوتُ مثل الأخرق وأنا انظر صوب البنات بالتحديد، كان أغلبهن يعرفن بالأمر، بَدتْ عيونهن فارغة، ليستْ واسعة ومخيفة حدُّ الجمال كعيون شذى. وَجدتُ نفسي خارج بناء الكلّية، رحتُ أمشي بلا هدف، لم يعد يهمني البرد، آه، لقد تَعودتُ عليها، مشاغباتها اللطيفة، جرأتها، مطاردتها لي، يقولون أخلاقها سيئة! بل أنتم السيئون، كل مافي الأمر أنها كانتْ تُحبُّ الحياة، كان بوسعي تغييرها، نعم كان بأستطاعتي ذلك، الآن عليّ أن أهتمُّ بنفسي! أن آكل وأشرب وادرس وأحرصُ على صحّتي، أليس هذا ماسيقوله الجميع!؟ . مرّتْ الأحداث بسرعة بعد ذلك، اصطحبتُ صديقي وسط ذهوله، طَلبتُ منه إرشادي لمكان الحادث، أتذكّر أنه احترم وجعي وانصرفْ، ظلَّ يراقبني من بعيد، كانت عيناي غائمتان تماماً وأنا أحدُّق في بقايا الدم الأسود! لا أعرف كم بقيت متسمراً وسط منبّهات السيارات الحقيرة،أتذكر إني جَلستُ متقرفصاً فجأة، مَددتُ يدي المرتجفة، مَسحتُ بها الدم الأسود ثم أطبقتها بقوة وفاضتْ عيناي مثل شلّال منهمر، شَعرتُ بيد توضع على كتفي، قادني صاحبي لبناء الكلية الجامد. فيما تلا من الأيام حاول أكثر من أعرفهم اخراجي من عالم الحزن الذي غَرقتُ فيه،كان أكثرهم لطيفاً معي، حتى أن كثيراً من البنات اللاتي أجهل وجودهن قد اخذن يتقربن مني،لم يبقى من شيء أقوله، فقط ثمة مرض أصابني حتى استحوذَ عليّ وتعوّدَ عليه الآخرين، كنتُ أحدّق كثيراً في عيون البنات، بدون أن ترمش عيناي، لم أعد خجولاً بقدر ما أصبحتُ باحثاً أبدياً عن عيون سوداء واسعة وكبيرة! لكن بلا جدوى!!(انتهت😔)

بقلم /رعد الإمارة /العراق /بغداد

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق