الثلاثاء، 28 يوليو 2020

البذرة الطموحة بقلم / سعيدة الزراعي

* البِذْرَةُ الطَّمُوحَةُ *

في ليالي الصّيف حين يحلو السّهر ... وتتعانق الأغصان تحت ضوء القمر ... كانت الورقة العجوز تحكي للأوراق الصّغيرة والبذور ... حكاية عجيبة ... عن شجرة عظيمة ... قويّة الجذع ... وارفة الظّلال ... ثمارها أحلى من العسل ... يتداوى بها كلّ من عذّبته الأسقام ... وحفيف أوراقها عندما تداعبها الرّيح ... يزيل الهموم عن فؤاد كلّ حيران ... وكانت هذه الشّجرة العجيبة قِبلة كلّ الزُّوّار ... وتتداول حكايتها الشُّعوب عبر الأزمان.

مرّ أكثر اللّيل و نامت الأوراق والبذور على الأغصان و بقيت بذرة يقظانة جفاها النّوم و هي تفكّر في أمور المستقبل وصورة الشّجرة باهرة العطاء لا تفارق مخيّلتها !!

ثمّ جاء الخريف .. و هبّت الرّيح .. وتمايلت الأغصان .. و تطايرت الأوراق و البذور في الفضاء .. وطارت البذرة .. و ملأت نفسها النّشوة .. فقد حانت لحظة تحقيق الحلم.

اِجتازت البذرة  مدنا وجبالا .. و سهولا وصحاري .. و منّت نفسها بالوصول إلى أرض الأسطورة .. غير أنّ الرّيح تخلّت عنها فجأة .. لتجد نفسها قرب جدول صغير .. يتوهّج تحت نور الشّمس .. كأنّه سبائك ذهب وفضّة .. كان الجدول يتوسّط حقل شابّ ريفيّ جميل .. صادق النّيّة .. طيّب القلب .. واضح الجهد .. تمتدّ يداه دوما بالعطاء.

كانت البذرة متعبة فغفت قرب الجدول .. وخلف جفنيها ما تزال هناك صورة الشّجرة العظيمة .. قويّة الجذع .. وارفة الظّلال ...

أﻗﺒﻞ ﺍﻟﺼّﺒﺎﺡ ﻭتسلّلت ﺧﻴﻮﻁ ﺃﺷﻌّﺔ اﻟﺸّﻤﺲ ﺍﻟﺬّﻫﺒﻴّﺔ ﻣﻦ ﺑﻴﻦ اﻟﺴّﺤﺐ لتداعب ﻭﺟﻪ ﺍﻟﺒﺬﺭﺓ ﺍﻟﻐﺎﻓﻴﺔ ﻗﺮﺏاﻟﺠﺪﻭﻝ ... اِﺑﺘﺴﻤﺖ ﺍﻟﺒﺬﺭﺓ ﻭ ﻓﺘﺤﺖ ﺫﺭﺍﻋﻴﻬﺎ ﻟﻨﺴﻤﺎﺕ ﺍﻟﺼّﺒﺎﺡ اﻟﻤﻨﻌﺸﺔ ﻭأﺭﺍﺩﺕ ﺃﻥ ﺗﺤﻤﻠﻬﺎ ﻣﻌﻬﺎ ﻟﺘﻜﻤﻞ ﺭﺣﻠﺘﻬﺎ ﺑﺤﺜﺎ ﻋﻦ ﺃﺭﺽ ﺍﻷﺳﻄﻮﺭﺓ ... ﻭﻟﺘﺨﺘﺒﺮ ﻓﻲ ﻃﺮﻳﻘﻬﺎ ﺗﺠﺎﺭﺏ ﺟﺪﻳﺪﺓ ﻭﺗﺮﻯ ﻋﻮﺍﻟﻢ ﻣﺨﺘﻠﻔﺔ.
 
ولكن لم ﺗﺴﺘﻄﻊ ﺍﻟﺒﺬﺭﺓ ﺃﻥ ﺗﺘﺤﺮّﻙ ﻣﻦ ﻣﻜﺎﻧﻬﺎ .. وأﺻﺒﺤﺖ ﻟﺼﻴﻘﺔ بالأرض !! فقد ﻧﺒﺖ ﻟﻬﺎ ﺟﺬﺭ ﻳﺸﻖّ ﻃﺮﻳﻘﻪ ﺑﺘﺄﻥٍّ ﻓﻲ ﺍﻟﺘّﺮﺑﺔ ﺍﻟﺨﺼﺒﺔ ﺣﺬﻭ ﺍﻟﺠﺪﻭل .. ﺣﺰﻧﺖ ﺍﻟﺒﺬﺭﺓ .. ﻓﻘﺪ ﺍِﻧﺘﻬﺖ ﺭﺣﻠﺘﻬﺎ ﺳﺮﻳﻌﺎ !!!

ﻭﻣﺮّﺕ ﺃﻳّﺎﻡ ﺑﻠﻴﺎﻟﻴﻬﺎ ﻭﺻﺎﺭﺕ ﺍﻷﻳّﺎﻡ ﺃﺳﺎﺑﻴﻊ ﻭﺍﻷﺳﺎﺑﻴﻊ أﺻﺒﺤﺖ ﺃﺷﻬﺮﺍ ﻭﻣﺮّﺕ ﻓﺼﻮﻝ ﻋﻠﻴﻬﺎ ... وأﺻﺒﺤﺖ ﺍﻟﺒﺬﺭﺓ ﺷﺠﻴﺮﺓ ﺻﻐﻴﺮﺓ لها أﻏﺼﺎﻥ ﺑﻮﺭﻳﻘﺎﺕ ﺧﻀﺮﺍء ﺑﻬﻴﺠﺔ ﻭ ﻏﺮّﺩﺕ ﺣﺬﻭﻫﺎ ﺍﻟﻄّﻴﻮﺭ ﺍﻟﺠﻤﻴﻠﺔ !!!

ﺗﺒﺪّﺩ ﺣﺰﻥ ﺍﻟﺒﺬﺭﺓ ﺍﻟﻘﺪﻳﻢ .. ﻭ ﺃﻟِﻔﺖ ﻣﻜﺎﻧﻬﺎ ﺍﻟﺠﺪﻳﺪ ... ﺣﺘّﻰ ﺃﻥّ ﺍﻟﻔﻼّﺡ اِﻧﺘﺒﻪ ﻟﻮﺟﻮﺩﻫﺎ ﻭﺻﺎﺭ ﻳﺮﻋﺎﻫﺎ ﺑﻴن ﺣﻴﻦ ﻭ ﺁﺧﺮ ... 

ﻣﺮّﺕ ﺑﻀﻊ ﺳﻨﻮﺍﺕ ... ﺍﻟﺸّﺠﻴﺮﺓ أﺻﺒﺤﺖ ﺷﺠﺮﺓ ﻭﺍﺭﻓﺔ ﺍﻟﻈّﻼﻝ ﺗﻤﺪّ ﻓﺮﻭﻋﻬﺎ ﻧﺤﻮ ﺍﻟﺴّﻤﺎء ... ﺗﻌﺎﻧﻖ ﺃﺷﻌّﺔ اﻟﺸّﻤﺲ ... ﺗﻤﺮّ ﺍﻟﻨّﺴﻤﺎﺕ ﻋﺒﺮ أﻏﺼﺎﻧﻬﺎ ... ﻓﻴُﺴﻤﻊ ﺣﻔﻴﻒ ﺃﻭﺭﺍﻗﻬﺎ ... ﻭ لثمارها ﻟﻮﻥ ﺷﻬﻲّ ﻭﻃﻌﻤﻬﺎ ﺣﻠﻮ ﻛﺄﻧّﻪ اﻟﻌﺴﻞ !!!

ﺍﻟﻔﻼّﺡ ﻭﺯﻭﺟﺘﻪ ﻭﺃﻃﻔﺎﻟﻪ يطوفون ﺣﻮﻟﻬﺎ ﻭﻳﺴﺘﻈﻠﻮّﻥ بظلّها ﺳﻌﺪﺍء ... ﺗﺄﻣّﻠﺖ ﺑﺬﺭﺓ ﺍﻷﻣﺲ ﻛﻞّ ﺫﻟﻚ ... ﻭﻗﺎﻟﺖ ﻓﻲ ﻧﻔﺴﻬﺎ ﺑﻜﻞّ ﺛﻘﺔ ﻭ ﺍِﻋﺘﺰﺍﺯ :

"ﻣﺎ ﺃﺷﺒﻬﻨﻲ ﺑﺘﻠﻚ ﺍﻟﺸّﺠﺮﺓ ﺍﻟﺘﻲ ﺣﺪّﺛﺘﻨﺎ ﻋﻨﻬﺎ ﺟﺪّﺗﻲ".

                    * تمّت بحمد الله *  

سعيدة الزّارعي/تونس

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق