الجمعة، 18 ديسمبر 2020

قصة طويلة سندباديون المقطع الثالث بقلم // موسى

 قصة طويلة

سندباديون

المقطع الثالث


ولّودي لم يحظ بمشاهدة واضحة لأبيه . كما حظي صديقه حمودي . ربما.. لانه لم يبك بما فيه الكفاية، مخافة أن يتجدد بكاء أُمه . لذا.. كل ما يتخيّل مشاهدته.. ليس إلاّ طيفاً، مرّ سريعاً و تلاشى بين الألوان.

غير إنه سيرجئ ذلك حتى الليل،حيث باستطاعته أن يبكي .. فأخفى قعر الزجاجة في مخبأ بنطلونه، حتى ينأى لوحده و يبكي كثيراً.لكي يرقّ له قلب والده و يأتي لمشاهدته. لكن.. الأشياء التي تحيّره: لماذا يمعن أبوه بصدوده عن زيارته .. كما يفعل أبو حمّودي؟

إنه بحاجة إلى بكاء متواصل، لكي لا يبقي عذراً لأبيه. فيضطر أن يأتي و يشاهده بوضوح. وأن يشاهد تلك الأشياء، التي صعب عليه رؤيتها ، كما حظي فيها صديقه.

طالما أمعن في لياليه: أن يهيئ نفسه، لكي يشاهد تلك الأشياء. ربما سيكون من المفرح لوالدته .. لو تسنى له رؤية ما لم تشاهده هي من ذلك العالم الخفي .

قالت أُمه ذات يوم :

ــ الصغار بوسعهم أن يشاهدوا.. ما لم يستطعه الكبار .

* * *

ما الذي يفعله ولّودي، حتى يحظى بأوقات ممتعة؟ كأن يشاهد عبر رواب ،أو كثبِ ، أو طرقِ مضاءة بألوان جذّابة. وسماء فيروزية صافية الأديم. و أرض.. كل ما ينبت عليها تتقزح الوانها.

النباتات تبدو طروبة بتأرجحها. و الطيور الملوّنة تزقزق.و أطفال الجنة، بقمصانهم الجذّابة ..يتعانقون و يضحكون.

هل يعقل لديهم ضحك وافر ؟ هل لديهم أشياء باهرة تفتح النفس ؟

كم يتمنى ان يشرح له حمودي ما يدور في رأسه من أمان ؟ لكن حمودي لا يمتلك مفردات مؤنسة يستطيع أن يوصلها إلى رأس ولّودي.

تلصص حمودي، بنفسه على الجنّة و عرف معالمها و أوشك أن يبكي. لأن أباه مكث واقفاً، لا يستطيع أن يرتكب ذنباً و يجتاز أبواب الجنّة . ولا يستطيع أن يجافي ولده الوحيد و يمضي. كم أخجلت حمودي حالة أبيه؟

سبب آخر.. جعل حمودي : يحبّذ أن يلتقي بوالده عند الليل عن قرب.. فهو لا يستطيع أن يشاهد أباه قدميه حافيتين و موحلتين .

فشغل نفسه بما أثار دهشته. من تلك الحدائق الواسعة ، و أزهارها الكبيرة و البساتين و السواقي و أعشاش الطيور التي افتقدت في الأرض و حلّت محلها القمامة و برك المياه الآسنة. و شاهد الأطفال المجنحين المرحين. محلّقين فوق الأيك.أو يقطفون أوراد الجوري ضاحكين .أو يصنعون باقات ورد ليهدوها لآبائهم .

ولّودي كلّت عيناه من دأبه في البحث عن أبيه. فقد لاح له والده يندفع على عجل و يتلاشى في الألوان. تماماً كرحيله الغامض .

لا يدري .. لماذا كل شيء غامض . موته غامض . رحيله غامض . مكوثه في تلك المراقد الواطئة غامض . مغادرته إلى عالمه الفردوسي غامض . لا يدري لماذا كل هذا الغموض؟كأنه مولع بالغموض . كأن الآباء يفعلون كل هذا .. لكي يقال : إنهم معجبون بحياة مليئة بالغموض . كل هذا يفعلونه ببساطة و يعجزون أمام أشواق الأبناء . كأن ذلك أصعب من غيابهم .

لا يأبهون بتحرّق أكباد أولادهم و زوجاتهم . استصعبوا.. أن يمكثوا إلى جانبهم : ولو حتى بلوغ الأولاد سن الرشد .

كم من أحلام .. رسمها أبوه في رأس أُمه؟عن السفر بين النجوم، بعربة من الفيروز، و الياقوت . و الحصان المجنّح . هذه الأحلام الجميلة : لماذا زرعها أبوه في ذهن أُمه و رحل ؟هل هي أحلام خادعة ؟ أُمه تقول إن أباه لا يخدع أحداً . حاشاه من الخداع و الكذب ولكنه يعجب : كيف اختار الرحيل وحده ؟

لا يدري ولّودي، انه لا يدرك أكثر من هذا. رغم إنه صغير . .. لكنه لا يتصوّر : إن أباه اختار رحيله الغامض، لكي يجرّب الخديعة. لكن أُمه .. طالما خاطبته بعد غيابه باكية : ( لماذا إذن تتزوجون ؟ لماذا ترحلون مبكراً، إذا كنتم مولعون بالرحيل هكذا..أما كان الأجدى : أن لا تثقلوا بأعبائكم.. على قلوب نساء ضعاف؟ هل اشترطن عليكم .. أن تورثونا الآلام و الترمّل و واليتم و ترحلون؟ ) .

ولّودي... أتعب عينيه. دون أن يحظى بشيء. أضفت الشمس الغاربة لونا ارجوانياً شاحباً على الألوان. قبع صامتاً علّه يحظى بوالده ، و لو بطيفه . قبع حيث المساء، الحافل بزيارات الموتى إلى ذويهم . مكث ولّودي في مكمنه .علّه يرصد ما ينبئه بملامح أبيه .

علّه يخطف من أمامه، عبر تلك الألوان. و الأشجار و السواقي.و الحوريّات . و الأطفال المجنحين .و المخلوقات الفردوسية .التي تبدو في تواصل احتفالي بالنعيم . ذائبة في ذلك الألق الجميل .لكن الألوان .. بدت تخبو و تتلاشى . أدرك ــ عند الأصيل ــ إن أباه غادر عالمه ذاك . فيلجأ ولّودي إلى صدر أُمه ليلاً . يفتح أكمامها و يلصق رقاق أنفه في فجوة الثديين. و يدرك .. أنه ما عاد الصدر الوثير نفسه . فأراح خدّه على عظامه الناتئة. و تضوّع بطيبه العذب . كلّما تشممه خطرت في باله .. ذكريات الرضاع و البكاء ، و انداحت خفايا أُمه .

* * *

يداهم سمعه ، صخب جارهما، جرّاء احتدام عراكه مع زوجته. كأن أحداثها تحيى في ذاكرته.. أيام احتدام النقاش بين والديه . فيتأجج عامل الحسد ، و يتلهّف : أن يحطّم ما هيمن من صمت مطبق جثا على بيتهما بعد رحيل والده .

لا يرغب أن يثير شجون أُمه، التي طالما هربت بذهنها، وقضت أوقاتها غارقة بشرودها. يستعيد ولودي تلك المشادات القصيرة بين والديه ، و التي سرعان ما تختمها الأم بقدح شاي مقابل رضائه، و أي شيء يحيي أحاديثهما الودودة .

يتذكّر أيضاً كيف ينط ظهر أبيه وهو راكع في صلاته.متشبّثا بقفاه، متأرجحاً. و الأب يتأنّى له، حتى إذا ارتخت يداه، نهض..لكي يوقع به وقوعاً رقيقاً لطيفاً .

موسى غافل

9نيسان 2002

يتبع


ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق