الجمعة، 18 ديسمبر 2020

دراسة نقدية لنص روح الظل بقلم // علي احمد العلي بقلم // صاحب ساجت

 تحية طيبة...

        هذه دراسةٌ توغلت في عمق نص تكوّن من جزئين، مطوّلٌ و غريبٌ نوعًا ما، في النثر أو الشعر، مادته الٔاساس هي:- الظِّلُّ  Shadow !

عنوان النص:- روح الظل

الكاتب:-  علي أحمد العلي

التعليق:- صاحب ساجت/العراق

   ماهيةُ الظّلِّ:-

      الظلُّ:- حَجْبُ جسمٍ لأشعة ضوء، يتركُ منطقةً معتمة، على سطح ما، جمعهُ "ظِلال".

في منطق التفكير العميق.. ثَمَةَ حياة بعيدة عن الضوء و عن الظلام. فخلفهما يقع ظل مليء بملامحنا و خواطرنا و أفكارنا، لكنه هَشٌّ لا وجود له و لا شكل! نراه و لا يرانا، و ان وُجدَ.. نعلم أنَّ ثَمَّ ضوء أمامنا.

تقول العرب(ضحا ظل فلان) اذا مات، و صار ظله شمسًا. فمن رابطة الموت بالظل؛ نعلم ان الضوء يمحونا! لكننا نحث الخطى باتجاه ضوء داخلي، ننير به ما حولنا بفكرة او بكلمة او بكتاب.

فالضوء هناك دائمًا...

موقعنا هو ما يتغير، و الظل نتاج قربنا و بعدنا عن الضوء...

{أَوَلَمْ يَرَوْا إِلَىٰ مَا خَلَقَ اللَّهُ مِن شَيْءٍ يَتَفَيَّأُ ظِلَالُهُ عَنِ الْيَمِينِ وَالشَّمَائِلِ سُجَّدًا لِّلَّهِ وَهُمْ دَاخِرُونَ} النحل -٤٨

موقف علم النفس من الظل:-

الظل هو الجزء المظلم من نفس الانسان، لا يرغب الاعتراف به، أو اظهاره للآخرين. و هو أحد عناصر الشخصية- كما أعَدَّها (كارل يونغ) عالم النفس الشهير.

من هنا جاءت عملية اسقاط و لوم الآخرين أو الظروف، للخلاص من جنايات و أخطاء يرتكبها المرء، رغم انه يحمل ذات الصفات و العيوب.

     علاقة الظل بالشعر:-

{الظل لا ذكر و لا أنثى،

  رمادي.. و لو أشعلت فيه النار،

 يتبعني، و يكبر ثم يصغر}

"محمود درويش من قصيدة الظل"

   الظل بطل تعويضي للشاعر، يفرض الدهشة و المفارقة، و هي تتلبسنا و نحن ننظر إلى أصل الظل الغائب. و غياب شخصية الشاعر.. لها اسبابها الذاتية و الموضوعية، لمدة قد تمتد لأجيال، لا يمكن الكشف عنها إلّا بعد تأمين حركتها في الطبيعة، و في بيئة تختلف عن البيئة الأم!

{ الظل لص يسرق السعادة

 و من يعيش بظله يمشي إلى...

 الصليب في نهاية الطريق، يصلبه  حزنه!}من قصيدة "الظل و الصليب"

هكذا يقرر الشاعر المصري "صلاح عبد الصبور" حين يرثي انسان مسحوق، كالظل بلا أبعاد، لص يستلب منا السعادة- كشعراء- نتلمسه في الضوء!

    تحليل النص:-

      بدءًا.. نجد الظل يتحرك و ينتقل، فيه مقومات النمو و القوة، مع انه ليس بكائن حي! وهو من صاغ الثقافة و الوعي، و خاطب الأشياء كلامًا و فعلًا، طالما الانسان في دائرة الضوء.. يعيش! و لعب دورًا مهمًا في وجدان و خيال الانسان، بحيث يتشبه بالأصل، لكنه شيء آخر له حضوره المستقل و المميّز.

* الجزء الأول...

     (يا صاح ظلي متعب..

       هلّا حملته ساعةً كي نستريحَ؟!)

ياء = حرف نداء للبعيد و القريب، للاستغاثة و التنبيه.

صاح = صاحبي، على التَّرْخيم، و هو ترقيق أو تليين، لا يكون إلّا في النداء، بحذف الباء و الياء، تخفيفًا.

من هنا.. انطلق كاتب النص، بالترجّي و التوسل، بما يدل على حالة الوهن و الضعف بعد مسيرة اِقتفاء أثر الضوء و هو يعرج إلى السماء، و في لحظة تعب أو غفلة تسقط أوراق الخريف/سنين العمر، في مستنقع الحياة، و تتجرد الأشباح من مادتها، فتتشبث بالظل  المتهالك، بغية جمع الشتات و و بقايا النفس!

     في هذا المسار الحتمي... يتصاعد زخم الرجاء سردًا قصصيًا، تقريريًا.. واصفًا ثنائية ضدِّية من الصعود إلى مصدر الضوء... و السقوط إلى قاع الحقيقة! في حين لم يكن الإرتقاء هيّنًا بل شاقًا مُتعبًا، سبّبَ جُرحًا غارَ في النفس، ممّا حَدَا بصاحب الجرح ان يستنجد بصحبه لحمل الظل، المتهاوي أصلًا قبله، في بحر من سراب!

هذه الاستغاثة بــ "الصاحب" جاءت لانقاذ الظل من براثن الذل و الهوان، بحيث أصبح لا يقوى احتضان "حمامة" إذا ما لاذت بحماه!

مع ذلك.. و لوجود بصيص ضوء بسيط

(ألفيتُ ظلي جاهزًا) فالتقط شخصية السرد الجريح!

* الجزء الثاني...

  (يا صاح ظلي غائبٌ...

   أَ لا بحثتَ عن ظلال تائهة؟!)

         يبدو ان الحكاية تحمل بين طياتها قصة غياب و تِيهٍ، ساحتها فوق السحاب، لا تمت بالأرض بصلة، حركة أفعالها تُحدّدُها اتجاهاتُ الرياح و هي تسوق السحب، و تشكل وَهْمَ السراب في مخيلة بطل النص، و جرّه إلى الإختباء خلف المرئي، في عتمة المجهول، ليمسي ضرير يتخبطُ خَبطَ عشواء في ليل الغياب!

(صرتُ وحدي

 دون ظل يذكر النور الأخير!)

ندخل- مرة أخرى- دهليز حكاية جديدة...

(زجاجة في البحر.. تحمل البريد)..

حكاية و سائط نقل البريد باستعمال قنينة bottle زجاجية، محكمة الاغلاق، تحوي أسرارًا تجسسية أو رسائل غرامية!

بَيْدَ انها تقع في أيدي قراصنة أجلاف، يفضُّون عذريتَها و يمزّقوها و يحرِّقوها و ينثروها هباءً.. في وَهْمِ السراب بذاكرته المعطوبة!

     أخيرًا...

        الإسلوبُ القصصي يناسب سرد الحديث عن النفس.. يَتقَصَّاه الشاعر او القاص أثرًا بعد أثر، تبرز فيه عواطف ذاتية و مواقف وجدانية، قد يَعِدُّها نقادُ الأدب ضربًا من التَرف الفني، يصفُ فيها الكاتب مقدار الرغبة او الرهبة. فضلًا عن التعبير عن شخصيته و لاثبات ذاته. و هذا ما سار عليه كاتب النص موضوع الدراسة، بحيث تداخلت وقفات السرد القصصي في النص، مع اختفاء الظل حُكْمًا، لاختفاء الضوء بتغيير الموقع و مدى قرب الموقع و بعده عن مصدر الضوء.

تأسيسًا على ذلك.. لا يمكن رؤية ملامح أو خواطر أو أفكار في العدم! في ظِلٍّ مستباح قتَلهُ بعشقه، شاهد على مجريات البحث عن (روحه) و حقيقة وجوده، بوجود الضوء و بعدمه، فإلىـٰ (أي قبر يذهب ظلًّا شهيدًا؟)

كل التوفيق لكاتب النص، و نأمل أن نقرأ له إبداعًا أكثر تكثيفًا و تماسكًا، نعيش لحظات متعة القراءة فيه، كما اتحفنا بهذا النص الجميل...

مع أطيب التحيات.

   (صاحب ساجت/العراق)


في ادناه  النص موضوع الدراسة:-   

           ( روح الظل)

      الجزء الأول:-

يا صاح ظلي متعبٌ 

هلّا حملته ساعةً كي نستريح  ؟

فأنا كظلي متعبٌ....  وجريح

كنا سوياً نقتفي قلبَ الضياء

ثم نحاول قطف عنقود الفضاء

لكننا قبل الوصول إلى السماء

دون أن ندري..... سقطنا

لكن ظلي كان أثقل من سرابٍ

هوى كالصخر في بحر ماء

قبلي سقط.. وتناثر الظلُ الذي

جمع الشتات بنفسه ثم ترجّل واقفاً

كانت ذراعاه قصيرةٌ

بالكاد يقدرُ.... 

أن يضم حمامةً ويلفها، لكنني... 

قبل السقوط بلحظةٍ... 

ألفيتُ ظلي جاهزاً.. فتحَ الذراعين القصيرة والتقطني

ثم إني قد جُرحتْ...  وكذا هو

يا صاح ظلي متعبٌ 

هلّا حملته ساعةً كي نستريح  ؟

فأنا كظلي متعبٌ.... وجريح

      الجزء الثاني:-

يا صاح ظلي غائبٌ

هلّا بحثت عن الظلال التائهة ؟ 

كنا سوياً نقتفي قلب السحاب

لكنه عَبَرَ السرابَ إلى الغياب

أصبحت وحدي دون ظلٍّ يذكر النورَ الأخير

أصبحت وحدي دون نورٍ.!!

ماذا يريد النورُ من بصرٍ ضرير؟؟ 

كم كان يعشق حلميَ النادي النضير

كم كان يهوى أن يقيد خطوتَيّ... حتى أطير

قالَ : السرابُ حكايةٌ

كزجاجةٍ في البحر... فيها رسالةٌ

حرقوا الزجاجة

ثم قاموا بمدّها وبصقلها

حتى استوت كبساطةٍ

من ثم  جعلوها سرابا

والرسالة مزقوها... 

إن السراب ذاكرة المرايا

تلك التي تحتوي كل الحكايا. 

_ شمسٌ بدت كالطفل

من خجلٍ تداري وجهها بسحابةٍ

لكن ظلّي لم يكن

حين اختفت هذي السحابة 

_ إن القتيلَ بعشقه لا يقتلُ...

 فهو الشهيد

ولأي قبرٍ يذهب الظل الشهيد؟


    (علي أحمد العلي/سوريا)


ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق