قصة قصيرة
بنت الطرف
المقطع الاول
دأب الأصدقاء ، وهم يتربعون على إحدى أرائك المقهى ، أن يتطلعوا إلى إطلالة ( ريحانة ) التي شغلتهم بعبق عطرها و رشاقتها . مشرئبّين بأعناقهم إلى الزقاق الذي ، يسفر عن طلعتها البهية ، لتمر باتجاههم عبر الشارع العريض .
حينها .. لم تكن في الشارع سيارات تصخب بهديرها ، و لا عربات .. عدا قرعات قبقاب(1) ( ريحانة ) . يقرع بكعبه الخشبي على أرضية الشارع المعبد ، في باكورة الليل و ركون المدينة وأسواقها دون ان يكون هناك أي معكر. فيبرق قبقابها برسالته المشفرة عن قدومها ، و هي تنقل قدميها بخيلاء . أناقة و جمال و رشاقة ، و سهام عينين سوداوين دقيقتي التصويب ، و غمازتين تزيد من سحرهما ابتسامة آسرة . زد على ذلك ما لوقع خطوات قبقابها من إيقاع مثير : ( طْراق طرق . طْراق طرق .طْراق طرق) . و كان أي فرد من الأصدقاء الذين إصيبوا بلهيب حبها و حسراته ، يكتم أمر تعلقه بها عن أقرانه .
تمر مع صديقتها – تحديداً - في أوقات وجودهم في المقهى ، أيام الربيع ، و عنفوان جذوة الحب تستعرُ ، و نسائم عبير الراسقي . و كانت تتعمد أن ينسرح على صدرها المكتنز جزء من شعرها الكحلي، متحررا من تحت عباءتها،لامعاً بفعل مصابيح المقهى. و صاحب المقهى المأخوذ بفتنتها يستغرق بقرع اقداح الشاي دون إرادته ، فيهتف بالنادل بقصد واضح :
ـ و لك چاي للزين .
ذات مرة نسي نفسه و اندلقت محتويات اقداح الشاي على صدريته ، و الحمد لله طلعت سلامات .
* * *
في الحقيقة ليست هناك بوادر تنبئ عن حب ممسوك مَسْك اليد . سوى انها ترسل في أوقات مرورها قبل غروب الشمس ، رسائل بطرف العين . تغمز لأحدهم مثلاً على انفراد . و تبتسم للآخر على انفراد . و الثالث تؤشر له أيضاً على انفراد . و الرابع عندما يغازلها ، و هي لا تجيب ، و هذا في قناعته يعني : ( السكوت من الرضا) . فعندما يلتقيها يذهب قلبه يطرق بصوت مسموع، فيهمس لها بهمسات رخيمة متمسكنة :
ـ يا نبعة الريحان .. حنّي على الولهان .
كانت هذه العبارة قد اقتبسها من أغنية عراقية : يرددها الكورس .
بينما هي تبرق بنظرة آسرة ، و ابتسامة تتصنع فيها الخجل ، و تنسل ماضية ، متعمدة أن تخفي إيقاع قبقابها.
الأربعة سكارى و ما هم بسكارى و لكن عذاب الهيام شديد. كل منهم يكتم أمر غرامه بريحانة ، دون أن يحصل على شيء ملموس . يجلسون في المقهى على دربها ليلاً يتناقشون بشأنها ، و كل منهم يخفي وجده ، فيفتل دخان لفافاتهم من حرقة القلب . و عند ذاك تتسقط اسماعهم طرقات قبقابها لعلها ترسل ببشائر قدومها . ثم يمكثون أطراف الليل منتظرين أغنية أم كلثوم ( هو صحيح الهوى غَلّاب ) لكي يتكئ أي منهم على الأريكة ، و يمدد ساقيه ، و يطوي ذراعيه على صدره ، و يحلم بتبادل عبارات الغرام معها و القبلات النارية . لذلك تربعت هذه الفتاة ، كقاسم مشترك أعظم لأحلامهم .
و أيضاً .. ظل صدى قرع القبقاب يفعل فعلته في حوار غرامي مع قلوبهم ، رغم ما اعتادوه : بأنها فتاة لم تعط بعد ، أكثر من ابتسامة خاطفة و غمزة عابرة . و كلمة تشمرها و هي ماضية مع صديقتها ، فيروح سامعها يؤولها و يتحرى عن مغزاها ، لكي يبقى طيلة الليل يُقَلِّبُها ألف مقلب و يخرج بنتيجة : أنها مغرمة به .
لكن أحدهم - لو صدق الراوي ، و لم يتم التأكد بعد - حصل على خبر كارثي : بانها تتسلل ليلاً لأحد البيوت التي يسكنها موظف صحي من خارج المدينة . و قد أقلقهم ذلك حقاً ، فبيتوا لها ـ كل واحد على انفراد ـ رسالة عتب . وتكدرت في تلك الأمسية ، الأحلام الواعدة لدى كل معجب منهم : على أنها - كما بنى كل واحد منهم في أحلامه - ستلقي ذات يوم بجدائلها الكحلية المعطرة بين ذراعيه و هو يستلقي معها قلباً على قلب .
لكن ظنون الوسواس الخناس قد امتلكتهم ، على انها قد تضحك عليهم جميعاً. و انها - ربما - في واقع الحال ، تلقي بجدائلها المعطرة بين ذراعي الموظف الصحي الغريب ، بينما هم .. ما كانوا سوى ضحية للعبتها .
مع ذلك .. كان كل واحد منهم ، رغم هذه الظنون : فإنه يظل يحلم بعودتها إلى لغة العقل و الوصال ، و يمكن غض الطرف على اعتبار : إن البشر ليس معصوماً من الزلاّت .
* * *
قبيل إطلالتها عليهم من بعيد ، يتناهى إليهم ، عقب قبقابها و قد أبرق لأسماعهم ، بتردد إيقاعي طروب ( طراق .. طراق .. طراق ) . لكي ينبه الجميع بمقدمها . فيهذبون قيافاتهم و يتطلعون بعيونهم الملهوفة إلى الطريق . و يغادرون المقهي بخطوات بطيئة كأنهم يتجولون لكي تلحق بهم وتمر على مقربة منهم . و حسب مبدأ – إسمعي يا جارة – بعث لها أحدهم بكلمات العتاب ، و كأن الكلام موجه لصديقه :
ـ يقال انك مغرم بالموظف الصحي الغريب .. أليس من الأفضل أن تْخيل على واحد من أبناء مدينتك؟
فترد عليه و كأنها تحدث صاحبتها :
ـ أووووي عرب .. جرب .
فتعقد ألسنتهم مفاجأة الرد المهين ، و يبيتون جواباً عندما تطل عليهم في الليلة القادمة :
ـ يعني للموظف الغريب حلال .. و على ابناء مدينتك حرام ؟
موسى غافل
يتبع
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق