حداد....
في ساعة متأخرة من الليل، أفزعته صرختها حتى أسقطته من على سريره، جر أنفاسه المقطوعة هدأ روعه قليلا، لتقع عينه بعد ذلك على زوجته وهي تمسك ببطنها ومستندة على أريكة، عرف تلك الصرخة، إنها صرخة البشرى التي غابت عنهما ١٣ سنة، تعاود المرأة تطلق صراخات متتالية انها صرخات المخاض، يحتضنها يأخذها لسريرها وهي تتلوى تتوجع وكأن السيوف تقطع وتمزق أحشائها، يهون عليها الأمر ويشجعها، دقائق يا زوجتي العزيزة سأرتدي ملابسي وأذهب إلى بيت الجيران لننقلك بسيارتهم للمستشفى، يلبس ثيابه على عجالة مرتبكا، يهم بالخروج تصرخ عليه ارجع ارجع ولماذا ياعزيزتي؟!
ارجع فقد لبست ثيابك بالمقلوب!!!
بعدها يخرج مسرعا، والجو بارد، فجأة انقطع التيار الكهربائي والظلام دامس لا يكاد أن يرى يده من شدة السواد، الشارع مخيف هادى لا شيء يقطعه سوى نباح الكلاب
يتعثر بكتلة كأنها اسفنجية حينما غاصت قدمها فيها، انها بطن كلب أفزعه صوته كاد أن يكلفه ذلك عقله، اصفر وجهه وفرائصه ترتعد خوفا مما حدث، طرق باب الجار بقوة وهو يلهث أخيرا فتح له الباب تفاجأ به جاره دار بينهما كلام فخبره بالأمر لبى الجار الطيب طلبه بكل سرور
إذن جهز أمركم وسأكون خلال دقائق عندكم، بعدها نقلت الزوجة إلى المستشفى لكن في منتصف الطريق أوقفتهم دورية للشرطة وطلبت منهم الانتظار لأن الطريق غير آمن تأخروا ساعة بعدها وصلوا المستشفى، ادخلوها إلى جناح الولادة عاينها الكادر المختص بعدها ألقت عليها الطبيبة نظرة خاطفة وسألتها لم أرك من قبل عند من كانت مراجعتك؟!
أجابتها عند طبيبة في العاصمة، الطبيبة أيتها الرعناء اذهبي للعاصمة لكي تلدي هناك!!!
عاقبتها وأخرتها هذه لتكون آخر عملية في القائمة على الرغم من حالتها الحرجة، وزوجها في الخارج يتعذب بين نارين
بعدها فقدت المرأة وعيها اضطرت الطبيبة ادخالها للعمليات أخيرا تم فتح بطنها لاخراج الفرحة والبشرى التي ينتظرها الزوج خارج الصالة من بطن زوجه، لكنها فرحة لم تكتمل بعدما سمع الزوج صراخا وصياحا داخل صالة العمليات ومنهم من يصرخ انها ماتت ماتت، والأخرى لا أصدق، صعق الرجل بما يسمع حتى بهت وجلس أرضا ينتظر من يقول له البقاء لله
وبين هذا وذاك تخرج سدية وعليها امرأة ممددة وخلفها جمع من الكادر الطبي، لتسأل عجوز جالسة في الممر وسكارتها متدلية من طرف فمها إحدى الممرضات من هذه الميتة يابنيتي؟
والممرضة الدمع ينساب من على وجنتيها انها الطبيبة النسائية فقد ماتت بسبب أزمة قلبية أثناء اجرائها عملية لاحدى النساء يسمع الرجل الكلام ولا يصدق بما ذكرته الممرضة حتى تبسم مع نفسه ونزل الكلام عليه كانه ماء عذب ارتوى منه، وبعد نصف ساعة تخرج إحدى الممرضات تحمل طفلة لتبشره فحمد الله كثيرا، لتدخل المولودة إلى الخدج للعناية، وتبقى الأم في صالة العمليات لأنها نزفت كثيرا وتعبت تحتاج إلى تدخل جراحي كبير، بعدها نقلت إلى صالة العمليات الجراحية الكبرى والزوج يعيش الفرحة والألم وبعد مضي ست ساعات ونصف نادى إمام المسجد صلاة الجنازة على امرأة يرحمكم الله، لتعيش تلك الطفلة فيما بعد باسم والدتها.
بقلم// الأستاذ أركان القيسي
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق