قصة قصيرة
*المطلقة*
عادت بها الذكريات وهي ترتشف بمهل فنجان قهوتها هذا الصباح، وكأنها تتأمل المشهد أمامها، ذلك اليوم عندما كان عائدا من عمله فرآها تنزل من الحافلة، وقف يتابعها، وقد تفاجئ بأنها ارتدت حجابا زادها جمالا إلى جمالها، حاول أن يلمح عينيها لكنها كانت تسير في صمت وهي تنظر إلى الأرض فناداها بصوت هادئ:"ندى" رفعت رأسها على رنة صوته ظلت تتأمله للحظات ثم نطقت بصوت يكتسيه الحياء "عماد "ليرد وقد رسمت على وجهه علامات الدهشة "لازلتِ تذكرينني "
ظلت تنظر إليه وقد أشرقت عيناها ولمع عسلهما كما لم يره من قبل، ثم نطقت على استحياء نعم اذكرك، كان عماد صديق الطفولة وإبن الجيران باعدت بينهما ظروف دراسته في مدينة أخرى وعمله بها، لكنهما ظلا يذكران بعضهما البعض جيدا، اخدت علاقتهما بعدا آخر بعد ذلك اليوم، ثم تقدم لخطبتها لكن طلبه جوبه بالرفض فقد كان والد "ندى" قد قطع وعدا بتزويج ابنته من ابن صديقه وشريكه في العمل.
تحطمت أحلامهما على عتبات العادات والتقاليد البالية وعلى وقع اهازيج عرسها فهي الإبنة المطيعة وما كانت لتجعل كلمة أبيها تسقط أرضا في مجتمع ذكوري بإمتياز، زفت الى عريسها واستسلمت لقدرها الذي رسمه لها والدها ، كانت الحياة بينها وبين زوجها بلا حب من كلا الطرفين جحيماً، جحيم لا يطاق، كانت شاقة علي كليهما سرعان ما انتهت بالطلاق، تزوج هو بعدها بحبيبته الأولى التى رفضها أهله ورشح والده "ندى" بدلا عنها، بدأ حياته من حيث انتهت حياتها، فقد أصبحت مطلقة، نظرة جديدة ينظر بها المجتمع إليّها لم تكن تتوقعها، لأنها ببساطة مطلقة، وهذا يجعلها كائن مباح للخطيئة، في البداية يتقربون تحت مظلة التعاطف، ثم يعيبون على هذا الزوج الأعمى غباءه وقلة تقديره، ثم يمدحون في مميزاتها، كأنهم يقرأون من نفس الورقة، ثم يدعون الحب، وفي النهاية يظهر هدفهم، وهو دائماً ليس الزواج، فقط ليلة رخيصة في المضمون بعيداً عن العيون وبلا مسؤوليات، كانت حقبة سوداء، حقبة التخبط والتلخبط وتعرى الحقائق، حقبة أوجعتها أكثر مما هي موجوعة،الى أن اتى ذلك اليوم الذي التقت فيه عماد من جديد، عاد من غربته، ليستقر ببلده علم عن قصة طلاقها، أخد يتقرب إليها من جديد فهذه المرة تختلف عن سابقها فقد بات بإمكانها تقرير مصيرها بنفسها
اخد يتصل بها كل صباح : صباح الخير كيف حال عصفورتى .
تبتسم من وراء السماعة التى تفصلهما
__الحمد لله انا بخير طالما أنت بخير
_ افتقدك كثيراً يا "ندى" في بعادك ينقصني كل شيئ.
كانت تشعر بصدق مشاعره وعذوبة إحساسه، علي يقين أنه لازال يحبها كما السابق، استمر الوضع على هذا الحال شهورا، لكنه لم يتقدم خطوة، لا يتقدم للأمام ، ولم يعرض عليها الزواج، يتكلم عن حبه الذى لم يمت ومشاعره وذكريات الحب بينهما ولا يكف عن الوصال والاتصال والاهتمام، لكنه لا يتكلم عن الزواج ، يذكر حتى ذكريات الطفولة البعيدة، لكنه لا يذكر ذكريات عرض الزواج القريبة، قررت أن تفتح هي الموضوع لم يعد من اللائق استمرار العلاقة بهذا الشكل، أخذت منه موعدا في المكان الذي يجلسان فيه أمام النيل كمراهقين، يتعلقان بأيام الحب القديمة، وقررت أنها الفرصة السانحة لفتح الموضوع بصراحة ووضوح
عماد: ماذا ترى لمستقبلنا معا؟!
ندى: لا تفكري في المستقبل، أوجعنا التفكير في مستقبلنا وأهلكتنا خطط كنا نرسمها للمستقبل، لم أعد أبالي، استمتعي باللحظة، هل نترك لحظتنا الجميلة الناعمة ونزحف إلى الخوف من المستقبل مرة أخرى.
شعرت أن عقله ينكر أي فكرة عن احتمالات الارتباط، هل يحبني!! و لكنه يتراجع ويبرر التراجع لنفسه، يعلق عذره فى الخوف من المستقبل والألم مما خلفته فينا أشباح الماضى .
عماد: نحن لم نعد صغار يربكنا الخوف من المستقبل، وأنا لا أفهم ما تقصده بوضوح، ماذا بعد هذه اللحظة التي لن تدوم ، سنصل للمستقبل في كل الأحوال؟!
أمسك يدها يحتضنهم بين كفيه ثم أكمل قائلا: "ندى" لم أعد أحتمل الابتعاد عنك أكثر من هذا، الحياة قصيرة والدنيا قاسية وأنا منهك وأحتاج أن أرمي عني ما ينهكني وأهاجر إلى أحضانك ، أنا لاجئ الى أرضك فهل تقبلينني، أنا أحبك وأغار عليك، أنا حتى أغار من الهواء الذى يمر ويأخذ منك أنفاسك، يسلبني حقي في هذه الأنفاس.
دمعت عيناها من فرط التأثر ، وارتعشت يداها وانتفض قلبها واحمرت وجنتاها كطفلة، فرددت بفرحة:أنا أيضا لا أحتمل الابتعاد عنك نتزوج إذا.
كان هذا هو الرد الطبيعي لهذا الموقف، لكنه لم يجده طبيعي، بل انتفض واعتدل في جلسته وعاد بظهره للخلف قائلا : لا أفهم لم تسعين للزواج، ألم تجربي الأمر مرة ولم ينجح، لماذا نضيع أجمل ما فينا في تجربة خاسرة،
_رجعت للخلف بدورها وسحبت يدها من بين يده، رأته فجأة ملوثا، تماماً مثل الآخرين، لكنه زاد عليهم بتدنيس بياض قلبها وتلويث طهارة إحساسها، هو مثلهم أسقط ضميره في لحظة ازدواجية للمعايير في عقله، لا يقبل ان يتزوج مطلقة، فقط يقبل أن يحب مطلقة، حتى حب حياتها أصبح مجرد رقم جديد في عدد الرجال الذين يرحبون بتبادل الغرام دون مسؤولية الزواج، رحلت وتركته بدون رد أو تعليق وبكل كبرياء كأنه ليس موجوداً أمامها.
مرت السنوات سريعا وهاهي اليوم ترتشف قهوة الصباح قبل أن تتوجه إلى عملها ولازلت تحمل بكل شرف لقب المطلقة.
✍🏻حبيبة بن عمران
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق