#قصتي القصيرة الحائزة على المرتبة الأولى في مجلة بلقيس
******
المثلث
كتبَ معلم الصف الثالث بخطٍّه الواضح الشبيه بالكوفي على القسم الأيمن من السبورة الخضراء. الصف الثالث ، ثم عدد تلاميذ الصف، والمادة، وعنوان الدرس، والحصة ، ولم ينس أبداً أن يسجل في أعلى السبورة التاريخ الذي كان يشير إلى شهر تشرين الأول من عام ألفين وعشرين. كما كان معلم الصف. السيد صفوان حريصٌاً على تدوين حكمة في كلِّ يوم (الجاهل وحده يثرثر كالببغاء) في أعلى السبورة من الجهة اليسرى، في بداية كل حصة كعادته يطلب الاستاذ صفوان من أحد تلاميذه قراءة الحكمة. تلعثم سعيدٌ التلميذ النبيه في قراءة الكلمة الرابعة منها. مماجعل التلاميذ يضحكون بصوت عالٍ، فأثار ضحكهم شيئاٌ من الخجل والتوتر لديه. تدخل معلم الصف في احتواء الموقف، وذلك بقراءته الحكمة، ثم تلعثمه المتعمد دون أن يشعر أحدهم بمقصده . وأردف قائلاً معك حق ياسعيد: بالفعل هي كلمة صعبة اللفظِ على اللسان.سكت التلاميذ بعدما رأوا معلمهم متلعثماً في ذات الكلمة. سأل المعلم تلميذاً آخر هلَّا عددت الأشكال الهندسية يا عامر . عدّدَ عامر بعضاً منها. شجعه المعلم : أحسنت يابني، وأردف قائلاً :
اليوم سنتعرف على أنواع المثلثات ...
عرض أشكالاً من المثلثات المجسمة ،
طرح السؤال على سعيد كي يؤكد للتلاميذ مدى نباهة تلميذه. هيا ياسعيد : ماذا نسمي هذا الشكل الهندسي واضعاً رأس المؤشر على شكل يمثل مثلثاً متساوي الساقين.
حدَّق سعيد في الشكل دون أن يتفوه بكلمة واحدة،
وكان الجميع واثقاً من سعيد ومعرفته بالجواب السليم ...
خاصة بعدما تعالت بعض الهمسات هنا وهناك تنطق : بمثلث متساوي الساقين ...
هدأ الصف عندما رأوا الدموع تسقط كاللآلئ على خدي زميلهم. تفاجأ الجميع عند سماعهم سعيداً، وهو يقول بهدوء يغمر وجهه الأسى :
لم يعد أبي متساوي الساقين استاذ ..لقد بتروا ساقه اليسرى أول الأمس
خيم الصمت على المكان. علاالشحوبُ الوجوه البريئة التي تشبه الأوراق الخضراء الناعمة التي تهاوت من أغصانها جراء خريف قاس قبل الأوان..ترقرقت العيون بدموع كحبات الندى ...تقدم السيد صفوان معلم الصف الثالث من تلميذه سعيد ... قَرفَص على ركبتيه أمامه. احتضن الصغير. لم يستطع مقاومة التغلب على مشاعره الجياشة في تلك اللحظة.
سمع سعيد وهو يقول : قال عنك أبي أنك رجل شجاع.
تذكر السيد صفوان تلك اللحظات المرعبة من ليلة أضاءت عتمة مدينته الهادئة.
قذائف الهاون التي أطلقتها كتائب الرايات السود وتلك الجماعات المرتزقة بمساندة جيش همجي أراد زعزعة أمن بلده ...
تذكر الطابور الذي وقف كلّ واحد فيه من أجل كيس خبز كي يبعد عن أولاده شبح الجوع.
لم يحسب أحدٌ أن الحاقد لايكترث بقدسية المكان. سواء لدى هؤلاءالمجرمين .. الجامع والمدرسة والفرن.
يقصفون دون أن يمنعهم رادع الضمير أو الإنسانية. كأنهم في هجومهم المغولي يستهدفون ثكنة عسكرية ترميهم بالصورايخ.
ضمَّ السيد صفوان سعيداً إلى صدره. وتحدث بهمس أكان الذي أصيب في ساقه في تلك الليلة والدك؟
هزَّ سعي
دٌ رأسه بالإيجاب .. صمتوا ...حتى كسر حاجز الصمت ذاك. رنين جرس الفرصة.
خرج التلاميذ، والحزن يلفُّ أجسادهم الصغيرة بردائه. نسوا تلك الضحكات التي راودتهم قبل دقائق ، ولكنْ ستبقي قصة المثلث المتساوي الساقين، والساق المبتورة لأبي سعيد محفورة على جدار الذاكرة. وربما سيقصّونها لأحفادهم ذات يوم.
... عبدالجابر حبيب ...

ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق