قصة \ ( الجسدُ الذي بلا رأس )
من منكم سمع بالمخلوقات الغير طبيعية؟
والبيوت المهجورة ، المُظلِمة ، ذي الجدران الرطبة ، وكراسي الهزاز المتحركة لوحدها؟
أذكر وأنا طفلٌ في العاشرةِ من عمري ، جاءني بضعة أولادٍ من جيران الشارع خائفين.
أخبرونني عن بيتٍ كبيرٍ في آخر الحي. بيتٌ لا يقطنه إنسانٌ ولا حيوان. يخلو من كلِّ شيءٍ عدا ذلك المخلوق الرهيب الذي يسمونه :
"الجسد الذي بلا رأس".
استثار الخبر المريب فضولي. وبسبب تعلّقي الكبير آنذاك بروايات "شرلوك هولمز" وقصص "الهاردي بويز" التحريّة ، بالإضافة إلى محبتي للعلوم ، قرّرت أن أذهب إلى هناك لسبب واحدٍ فقط.
لكي أبرهن لأصدقائي زيف قصة الرجل بلا جسد تلك. وبعد محاولاتٍ دؤوبة دامت دقائق ، استطعت إقناعهم بضرورة إكتشاف الحقائق لضحد الخرافات.
نعم. توجهتُ معهم. بل أستطيع أن أقول أنني قدتهم إلى البيت المهجور.
كانت الشمس حينها آيِلة إلى الإنصراف بعد نهار عملٍ مضنٍ وطويل.
ومع مرور بضعة دقائق ، تراءى لنا البيت.
يا إلهي! مفزعٌ بحق.
طابقان يشبهان هيكلاً عظمياً. ينتصب أمامنا كفزّاعة الحيوانات في الحقول.
يشبه قصر دراكولا في أفلام الرعب الخيالية.
مدخلٌ بلا باب. فتحات شبابيك بلا شبابيك.
وذاك المغيب.
ألمغيب الذي طلا وجه البيت بلونه البنفسجي، أعطاه شكل القلب النابض بالدم.
أهي رهبةَ القصة المزعومة أم رهبة الألوان؟
لا أعرف.
وكيف أنسى صوت الخفافيش؟
ذاك الصوت الذي يسمّونه "وط"؟
" وطِ!". لا أعرف كيف قرّر علماء اللغة إختصار ذاك الصوت المرعب بـكلمة من حرفين.
بأجسادها المجنّحة ، وأشكالها التي تشبه الجرذان، والتي كانت تدور حول شجرة قديمة كبيرة جداً ، أتخذت الخفافيش من أغصانها العملاقة مسكناً دائماً لها.
اقترب مني أحد أصدقائي وهمس :
" أتعرف؟ أخاف جداً الجسد الذي بلا رأس هذا".
وأذكر أنني أجبته : " وأنا أخاف جداً الخفافيش التي بلا عيونٍ تلك ".
ولبضعة لحظاتٍ ، أو ضربات قلوب ، تردّدنا في التقدّم ، بل كدنا أن نعود أدراجنا ، قبل أن توقِفنا "رجولتنا" الفتيّة.
لزمنا أماكننا.
ثم ، كفرقة نزع ألغامٍ محترفة ، رحنا نتقدّم رويداً رويداً ، وبتإنٍ وحذر شديد ، نحو الهدف المنشود.
ها نحن في باحة البيت المهجور.
لا بد أولاً من تمشيط المنطقة ، أي البيت ، قبل الدخول.
حملَ كلٌ منا في يده حجارةً ، وصّوبها نحو طاقات الشبابيك الخالية. وبإشارة من قائد المجموعة ، الذي هو أنا ، قذفناها بوقتٍ واحدٍ نحو الأهداف.
فعلنا ذلك وانتظرنا.
نبضة . نبضتان. ثلاثة.
صوت ارتطام الحجارة بالأرض.
ثم نبضة. نبضتان. ثلاثة.
لا شيء إلا السكون.
لا حركة ، لا صراخ ، لا صوت.
عدا "الْوِطْ" الذي تحدثه الخفافيش حول الشجرة هناك.
أعدنا المحاولة ثانيةً.
لا حركة ، لا صراخ ، لا صوت.
تقدّمنا بضعة خطوات.
أعدنا المحاولة ثالثةً.
المشهد يتكرّر.
بقينا نحاول ونحاول حتى كادت الشمس أن تنتهي من حزمِ حقائبها. ولم يعد هناك إلاً ومضة ضياءٍ باقية ، تضبضبها وتمشي.
ماذا نفعل؟ نعود إلى بيوتنا ، أو ندخل البيت المهجور على طريقة "يا قاتِل يا مقتول؟".
فجأة نسمع صوتاً يولول.
نتسمّر في أحشائنا.
ندير جماجمنا نحو الصوت.
أحد سكان البلد المحليين يركض نحونا.
يفزّ ذعرُنا من حدقات عيوننا ، ويختبىء في وكرِ أفواهنا .
نبلع حناجرنا.
بالكاد يسأله اصطكاك أسناننا : " ما بك؟ ".
يولول : " رأساً! رأساً! رأيت رأساً ! ".
نجيبه : " أين؟ أين؟ رأيته أين؟ ".
يجيبنا : " في البيت! في البيت! رأيته في البيت! ".
أتفلسف من شدة الخوف ، محاولاً طمأنة نفسي قبل أن أطمئنه هو : " هذا يعني أن البيت يسكنه ناسٌ عاديون ، وليس جسداً بلا رأس".
يتلعثم مذعوراً : " لا لا. هذا رأسٌ بلا جسد!".
أسأله : " نعم؟ رأسٌ بلا جسد؟ أمجنون أنت؟ "
يجيبني : " ألستم هنا لمطاردة الجسد الذي بلا رأس؟ أنا المجنون؟ ".
يقتعني.
أعود وأسأله : " وكيف عرفت أنه رأسٌ بلا جسد؟ "
يقول : " رأيته يحدق بكم من إحدى الطاقات ".
" حقاً؟! " ، سأله وجه صديقي الأصفر.
أشير لصديقي كي يصمت.
أعيد صياغة سؤالي : " أقصد كيف عرفت أنه رأسٌ بلا جسد؟".
يجيب : " في البدء ، رأيت الرأس يحدّق بكم ، فلم أكترث للأمر. لكن حين رأيته يطير في الهواء من دون جسد، كدتُ أن أقع في أرضي".
" يطير في الهواء؟! " ، يصيح وجهيَ الأزرق.
" تعالوا. تعالوا نرحل من هنا فوراً" ، يصرخ أحد عناصرالمجموعة المقتحمة ، بصوته الجهور ووجهه الأحمر.
أشير إليه ليصمت قليلاً.
وباعتباري التحري ، وصوت العلم في المجموعة ،
استعيد أنفاسي التي خطفها مني قلبي ، وأقول للرجل :
" أيعقل أن يكون ذاك الرأس لذاك الجسد؟".
رمقني بنظرةٍ تنم عن ذكاء حاد ، وبعد تفكير عميق وطويل ودؤوب قال : " ماذا تقصد؟"
قلتُ : " أيعقل أن يكون الرأس الذي رأيته يحدّق بنا ، يبحث عن الجسد الذي نبحث عنه أيضاً ؟".
رمقنى بنظرةٍ كنظرة الفلاسفة حين يتأملون شجرة ،
أو وردةً ، أو سماء ، وبعد تفكير عميق يجيبني :
" ماذا تقصد؟".
تركته لشأنه وشاورتُ أصدقائي فيما يجب أن نفعله.
ها بقايا الشمسِ قد رحلتْ. وها الوطاويط ما زالت تحوم حول الشجرة ، ولا ندري متى تغيّر رأيها وتبدأ بالحوم حولنا ، جاعلةً من عظامنا أغصاناً جديدة لها ،
ومستعيرةً عيوننا لتركّبها في رؤوسها لترى.
قرّرنا أن نعود إلى بيوتنا ، ونأتي في اليوم التالي لنكمِل مغامرتنا التي لن تُنسى.
لا لزوم أن أسرد عليكم ماذا حصل في اليوم التالي.
فقصة الرجل الذي بلا رأس ، أو الرأس الذي بلا جسد تلك ، ما هي إلا خيالات يبتكرها عقل الإنسان.
والآن ، وبعد أربعين سنة من تلك الحادثة ، ها أنا أجلس في غرفتي أستذكرها.
ويداهمني كلام المرحوم جدّي :
"لا شيء يحدث إعتباطياً في هذه الحياة.
لكل حادث عبرة. ولكل فعلٍ دروس".
وباعتبار أن جدّي دائماً على حق ، أو أنا الذي أريده أن يكون دائماً على حق ، حاولت استخراج الدرس أو المغزى ، أو العبرة ، من تلك الحادثة.
لم أقدر.
هي هلوسات طفولة ليست إلا.
أدرتُ التلفاز.
وكما العادة ، موسيقى نشرات الأخبار تصدح.
خوف. رعب. حقد. قلق.
بث أو بخ مباشر.
جمهور ينزل إلى الشارع. يقال أنه يثور. يقطع الطرقات. ولا يفعل شيئاً إلا التخريب والتكسير.
يسألونه ماذا يريد. لا يجيب. ربما لا يعرف.
ربما قالوا له "إنزل" ، فنزِل.
اتصلت بصديقي المثقف والمتعلِّم ، المتخصّص بالفيزياء ، لأسأله إذا كان يتابع الحدث.
يجيبني : " لا يهمّني. أنا راحلٌ عن هذا البلد. بعد أسبوعٍ سأسافر، ومعي زوجتي وأولاي".
أقول له : " لكن الوطن يحتاجك أنتَ لا هُم و...".
يقاطعوني : " دعهم يأخذون من الوطن ماذا يريدون.
دعهم يمتصون دمه. لا شأن لي بعد الآن".
وبين الحسرةِ والحزن ، أقفلتُ الجهاز.
توجهت نحو الشرفة ، وعلى كرسي القشِّ جلستُ.
وسرحتُ في تفكيري.
أجسادٌ بلا رؤوسٍ تنزل إلى الشارع لتخرّب.
ورؤوسٌ تخسر أجسادها حين تقرّر أن لا تفعل شيئاً.
أن لا تحكي. أن لا تقول. أن لا تحاول.
فقط تلتحف السماء ، ومثل عصافير السنونو ، تهاجر.
( بقلم ربيع دهام)
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق