الجمعة، 12 مارس 2021

الضحك على اللحى ... بقلم // : مصطفى الحاج حسين

 الضحك على اللحى ...


                             قصة : مصطفى الحاج حسين 

قال لي أحدُ الشعراء الكبار ، ممّن يحتلّون مكانة

 مرموقة في خارطة الشعر العربي الحديث ، بعد أن

 شكوتُ له صعوبة النشر ، التي أُعانيها وزملائي

الأدباء الشباب:


- هذا لأنّكم لا تفهمون قواعد اللعبة !! . قلت بدهشة :

- كيف !! .. علّمني .. أرجوك .

ابتسم شاعري الموقّر ، وأجاب :

- عليكَ أن تكتب دراسات نقديّة ، عن أولئك الذين

 يتحكمون ، بحكم وظائفهم ، في وسائل الإعلام ،

فكلُّ المحررين ورؤسائهم ، في الأصل أدباء ، اكتب

عنهم مادحاً ، وستُفتحُ لك أبوابُ النّشر على مصاريعها .


وقبل أن أعلّق على كلامه .. تابع يقول:

- عندي فكرة ، مارأيك أن تكتب دراسة عن مجموعة

 " قطار الماء " ، التي صدرت مؤخراً ، ألا تعرفُ "

رمضان النايف " صاحب المجموعة ؟؟ هو رئيس

تحرير " وادي عبقر " ، وهي تدفع " بالدولار " .

اقتنعت بالفكرة مكرهاً ، فأنا قاص . ماعلاقتي بالكتابة النقدية عن شعراء الحداثة !.


غادرت مقهى " الموعد " ، ودلفتُ إلى المكتبةالمجاورة ، ولحسنِ الحظ لم أعان من البحث عن المجموعة كثيراً ، غير أنّي فوجئتُ بارتفاع ثمنها .


عندما أبصرت زوجتي المجموعة في يدي ، صاحت

 مستنكرة :

- ماذا تحمل ؟! .. هل عدتَ إلى شراءِ الكتب ؟ .


ابتسمتُ لعلّي أُخففُ من غلوائها ، فهي سريعة

 الغضب ، وسليطةُ اللسان ، تزوجتني بعد أن أعجبت

 بكتاباتي ، وأنا لا أنكرُ وقوفها إلى جانبي وتشجيعها

لي في السّنة الأولى من زواجنا ... كانت توفّر لي

 الوقت الملائم للكتابة ، لكنها سرعان ماتغيرت بعد

 أن حطّ مولودنا الأول بعبئه على أعناقنا ، خاصةً

وأنها كانت تُتَابعُ ما يصلني من ردود الدوريات

 العربية والمحلّية ، حاملة الكلمة ذاتها ، بالأسلوب

 ذاته :


- " نعتذر عن نشر قصّتك، لأنّها لا تنسجم وقواعد

 النشر في المجلة ، وفي الوقت عينه ،فإنّ هيئة

 التحرير ، ترحب بأية مساهمات أخرى ، تردها منكم .


في البداية كانت " مديحة " تلومني لأنّي لا أجيد

 انتقاء القصة المناسبة لكل مجلة.. لكنها عندما

 وجدت أن هذه العبارة ، تكررت على جميع قصصي المتنوعة الأغراض ، أيقنت أنّي كاتب غير موهوب ، ولهذا أخذت تطالبني بالبحث عن عمل إضافي ، بدلاً من تضيع الوقت في كتابة لا طائل منها ، فقدت إيمانها

 بموهبتي ، وراحت تعمل على قتل هذا الهوس الذي

 تملكني منذ الصغر .


وخلال فترة وجيزة ، تحوّلت " مديحة " إلى عدو

 للأدب ، فأخذت تسخر من كتاباتي ، وباتت تعيّرني

بما يردني من اعتذارات ، وصارت تضيق بكتبي ،

ومن الأمكنة التي تشغلها .


        ذات يوم عدتُ لأجد جميع ما أملكه من كتب ،

ومادبّجتهُ من قصص قد تكوّمَ على السقيفة ، إلى

جانب المدفأة .


    ولكي لا أفكر بالكتابة مرّة أخرى ، صمّمت على أن

تبعدني عن أصدقائي الأدباء ، فسلّطت عليّ

 إخوتها ، لكي يرغموني على مشاركتهم في اللعب

 بورق الشدة ، وطاولة الزهر ، واستطاعت أن

 تجبرني ، على العمل مع أخيها سائق الأوتوبيس ،

 كمعاون له أجمع أجرة الركاب ، وأنادي بصوت عال

خجول :

- جامعة .. سياحي .. سيف الدولة .


      وهذا ماجعلها اليوم تدهش ، حين رأتني أدخل

 وبيدي المجموعة الشعرية ..

قلت لها :

- اسمعي يامديحة .. هذه المجموعة سوف تفتح لي

 آفاق النشر .


   ذهلتُ .. لقد ضمّت المجموعة خمس قصائد ، وأطول

قصيدة تتألّف من عدّة أسطر . وكلّ سطر يتكوّن من

 مفردة واحدة ، وقد يرافقها إشارة تعجّب أو استفهام ، أو بعض نقاط .ولكي أكون منصفاً عليّ أن

 أصف المجموعة بدقة .


    بعد الغلاف الأول ، تجد على الورقة الأولى ، عنوان

المجموعة ، واسم الشاعر . تقلب الصفحة . تطالعُك

عبارة - جميع الحقوق محفوظة - تنتقل إلى الصفحة الثالثة فترى عنوان المجموعة مكرراً بشكل مجسّم ، تأتي إلى الرابعة ، فتقرأ : - صمم الغلاف الفنان العالمي " ديكاسو " وعلى الخامسة يبرز أمامك الاهداء - إلى أصحاب الكلمة الملساء - . وفي الصفحة السادسة ، تعثر على تنويه هام : - الرسوم الداخلية ، لوحات لفنانين عالميين .


وسوف تستوقفُك على الصفحة السابعة ، ملاحطة

 ضرورية جداً بالنسبة للنقاد :


- كتبت هذه القصائد مابين حصار بيروت ، وحرب

الخليج الأولى .


في الصفحة الثامنة ، ستقع على مقدمة نقدية ،

 كتبها أحدُ النقادِ البارزين ، الذي يستطيع أن يرفعَ

 ويحطّ من قيمة أيّ أديب كان على وجه المعمورة ،

 استغرقت تسع صفحات . وعلى متن الصفحة

 السّابعة عشرة ، ستحطّ الرحال على مقدمة أخرى ،

ولكن بقلم الشاعر نفسه ، يتحدّث فيها عن تجربته

 الشعرية الفريدة ، وعن ذكرياته الأليمة في المعتقل ، يوم تعثّر بإحدى الطاولات وحطّم ماعليها ، وهو في حالة سكر شديد ، مما دفع السّلطة التي لا تميز بين الفنان المبدع والإنسان العادي ، إلى زجه بالسجن ، مثله مثل باقي المجرمين . وكان عدد صغحات مقدمته ثلاث

عشرة .


وهنا تنتقل إلى الصغحة التالية ، تقرأ عنوان

 القصيدة الأولى :


- طار القطار غوصاً -


بعد العنوان الذي انفرد بصفحة كاملة ، تقع على

القصيدة التي تتألف من ست مفردات ، توزعت على

 ستة أسطر :


- (( حدقت / في / شهوتي !! / وقلتُ: /

صباح / الخير / )) .

                         وتنتهي القصيدة .


     ولأنّ القصيدة ، أو لأنّ معناها تافه وبذيء ، وجدتني

أصرخ :

- مديحة .. أرجوك أريد قهوة .

وتصاعف غيظي أكثر ، حين تناهى إليّ صوت "

 مديحة " الساخر :

- حاضر يازوجي العزيز .. يامكتشف اللعبة والمفاتيح .


        وحتى لا أشردَ عمّا كنتُ عازماً على تنفيذه ، عدتُ

 لأتابع قراءتي .


     على صدر الصفحة الرابعة والثلاثين ، ستبصر لوحة

 فنية مغلقة ، مستعصية . وتتهادى إليك الصفحة

الخامسة والثلاثون، حاملة معها .. عنوان القصيدة

الثانية :


- تضاريس السّحاب -


ليطالعك الإهداء على الصفحة اللاحقة :

- (( مهداة .. إلى كلّ جندي على تخوم الهزبمة )) .

أما الصغحة السابعة والثلاثون ، فقد فخرت بحمل

العنوان من جديد ، وبشكل فني مختلف ، وأسفل

العنوان ، استلقت قصيدة طويلة :


- (( عواء / الليل / أرعب / أحرفي .. / أوقدت /

أصابعي / للكتابة .. / و ... / فجأة / قفز / القلم /

حين / اعتقلتني / أوراقي / . )) .


وبما أنّ القصيدة كانت مطولة ، احتلت ثلاثة عشر

سطراً ، فقد اقتضى ذلك أن تمتد لتصل إلى الصفحة الأربعين .


     وضعت " مديحة " فنجان القهوة ، على الطاولة التي

 نستخدمها لكل شيء ، وقالت:

- ألم تباشر بدراستك التي ستفتح علينا ليلة القدر ؟!

حاولت أن أكظم غيظي ، فأجبت :

- لم أنتهِ من قراءتها بعد ، لكنها تبدو لي مجموعة

 سخيفة .


تراجعت مديحة بعض الشيء :

- سخيفة أم جميلة .. أنت ماذا يهمك ؟.. المهم أن

يفسحوا لك مجالاً للنشر .

- ولكنّي سأنافق يامديحة ، وأنا ..

وهنا قاطعتني بانفعال :

- أنت ماذا ؟.. أنا أعرف أنه لا يعجبك العجب ، مَن

 منَ الكتّاب يعجبك ؟ .. بما فيهم أصدقاؤك !! .


     ومن حسن الحظ ، صرخ ابننا ، بعد أن سمعنا ارتطام

جسمه فوق أرض المطبخ ، وهذا ما أنقذني من لسان " مديحة " التي ركضت كمجنونة ، فعدت إلى المجموعة .


          وسيراً على قوانين المجموعة ونظمها، ستركض

الصفحة التالية بمثابة فسحة للتأمل في الفراغ الأبيض ، وقد توحي بمقص الرقابة التقليدي، في

 حين رفعت الصفحة الثالثة والأربعون عقيرتها ، لتعلن عن عنوان القصيدة الثالثة :


- خرير السّراب -


وتخرج إليكَ القصيدةُ ، في الصفحة الرابعة والأربعين :

منظومة على صفحة ونصف ، ممتدة على ثمانية

أسطر :


- (( نافذتي / مغلقة / على / هواجسي، / وأنا /

والنار / متشابهان / بجليدنا )) .


هنا نكون قد وصلت إلى الصفحة السادسة والأربعين ، وكما جرت العادة ، سترقص أمامك لوحة فنية جديدة ، وإلى جوار اللوحة ، على صدر الصفحة الأخرى ، كان عنوان القصيدة الرابعة:


- نحن أصل الفراغ -


أما القصيدة التي احتضنتها الصفحة الثامنة والأربعون ، فقد كانت مؤلفة من جملة واحدة ، توزعت على ثلاثة أسطر :


- (( حفيف .. / الشوق !! .. / الصامت ؟.)).


باغتني صوت مزمار الأوتوبيس ، فأدركت أن " هاشم

 " شقيق زرجتي جاء ليأخذني معه إلى العمل ، وسمعت صوت " مديحة " التي فتحت باب المنزل ، تنادي على أخيها أن ينزل من السيارة ، ويدخل ليتناول الغداء معنا ، لكنّ " هاشم " مستعجل ، لذلك طلب أن أخرج إليه ، دخلت " مديحة " قائلة :


- ألم تسمع صوت " الزمور" ؟.. أجّل كتابة مقالتك

 إلى الليل .


     ولأني لا أطيقُ هذا العمل وأخجل منه ، فأنا مدرس ،

 أصادفُ الكثيرين من طلابي ، وكم أعاني من العذاب والحياء حين آخذُ منهم الأجرة ، ولهذا وجدتها فرصة لأتنصل من العمل :


- لن أشتغل اليوم .. قولي " لهاشم " أن يأخذ أخاك " صلاح " . 


صاحت مديحة :

- إذا كنت لا تنوي الكتابة ، فلماذا لا تريد أن تشتغل ؟!.


قلت ، لكي أطمئنها بعض الشيء :

- حتى الآن لم أتخذ قراري برفض الكتابة .

- يعني هل ستكتب ؟

أجبت وأنا كلّي حيرة :

- سأحاول .. سأحاول .


       عدت إلى الديوان ، وجرياً على العادة تشاهد في

الصفحة الخمسين ، لوحة فنية تتربع ، يليها العنوان

 العريض للقصيدة الخامسة والأخيرة :


- أهازيج الموت -


وخلف هذا العنوان ، على الصفحة الواحدة والخمسين ، إهداء حار :


- (( إلى لوزان وعينيها .. )) .


ثمّ تتبدّى القصيدة على الصفحة التالية :


- (( الصبح / أصبح / يا.. / رندة / والقلب !/

تثاءب !!/ بنشوى / ذكراك . )) .


        وكما تلاحظ فقد احتلت القصيدة صفحة ونصف ،

 لأنّها توزعت على ثمانية أسطر .


على شغف محترق للوصول إلى الفهرس ، تقفز

 الصفحتان لتحتوياه .. ثم تنفردُ الصفحة السادسة

 والخمسون بخصوصيتها ، في عرض ما صدر

للمؤلف .. وفي الصفحة التي تتبعُها ، كُتبت عناوين

 المجموعات التي تحتَ الطبع للمؤلف :


1 - الوردةُ القادمةُ من حتفها .

2 - أجهشت بشذاها المعطوب .

3 - وانكسرَ الأريجُ على جناحي فراشة .

4 - فاستفاقَ غبارُ الطّلع .


     ولقد خُصصت الصفحة الثامنة والخمسون ، والتي

بعدها ، من أجل التصويب الذي سقط سهواً .


        تنتهي الصفحة الأخيرة من المجموعة ، بتقاريظ

 تحت عنوان :

- " مقتطفات ممّا سيكتب عن المجموعة "


(( لقد حلّق الشاعر " رمضان النايف " في مجموعته هذه ، إلى مافوق العالمية بعشرة أمتار وسبعة

 مليمترات . )) .

                امرؤ التيس .. جريدة اللف والدوران .


- (( الحداثة عند رمضان النايف ، حداثةُ وعي

ومغامرة ، ترتبط بالتراث التليد ، بقدر المسافة التي

تبتعدُ عنه .)) .

                 مجلة : نواجذُ النقد .. المتخبّي .


       ولأنّ الصفحة انتهت ، اضطرت دار النشر ، حرصاً

 منها على أهمية ما سيقال ، لكتابة التعليقين الآخرين ، على الغلاف الخارجي ، تحت صورة الشاعر الباسم :


- (( لقد أبصرتُ ، بعد عمىً طويل ، ذلك الزخم الفلسفي ، الذي يغلي ويبقبقُ في سطور المجموعة. )).


         أبو العلاء المغري .. في حوار له بعد عودته من

 بغداد .


- (( كلما قرأت رمضان النايف ، أشعر أنني مبتدئ

 في كتابة الشعر .)).

              جريدة : صوت الكلمة الفارغة .. أبو الدعاس .


        ولكي لا نقول عن دار النشر ، إنها نرجسية ، تحبّ

المدح ، فهاهي تثبتُ نقداً حاداً ' لعباس محمود العياض " ، كتبه في مجلة الكلمة المشنوقة من أهدابها :


- (( في المجموعة ثمة نقص واضح للعيان ، فأين

 الصفحة التي تخصص عادة في كل الكتب ، وهي

 هامة للغاية، ألا وهي - صدر عن دار النشر . أرجو

من دار النشر العظيمة الصيت أن تتلافى مثل هذا

 الخطأ القاتل.)).


          عندما دخلت " مديحة ً ، وجدتني قد مزقت كل

 ماكتبته من قصص ، وقبل أن تستفيق من دهشتها ،

خاطبتها :


- أنا مستعد أن أعمل مع " هاشم " مثل الحمار .


       اقتربت " مديحة " مني ، لمحتُ حزناً في عينيها ،

 لمحتُ عطفاً ، حباً ، دمعاً ساخناً مثل دمعي ، مسّدت

شعري ، ضمّت رأسي إليها ، أنهضتني من فوق كرسيّ ، مسحت دمعتي بباطن كفّها ، التقت نظراتنا ، اختلجت شفاهُنا ، تدانت ، وسرى فيها اللهب.


                          مصطفى الحاج حسين .

                                    حلب ..

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق