الخميس، 18 مارس 2021

الإنزلاق …قصة بقلم / مصطفى الحاج حسين .

    الإنزلاق …


 قصة / مصطفى الحاج حسين .


         ماإن وصلت الحافلة ، حتّى تدفقت جموع الركاب للصعود من كلا البابين ، ثمّة عدد من الفتيان الأشقياء ،

تسلٌقوا أطرافها وتسلّلوا من نوافذها .


       اتخدت مكاني في المنتصف ، وقد أمسكت يسراي

الكرسي ، المشغول بامرأة ورجلين ، و كانت يمنايّ تحمل

كتاباً وجريدة ، بالقرب منّي كانت تقف فتاة شقراء ،

تشبه الشّقراوات اللواتي يظهرن في أحلامي بكثرة .


          مذهلة القوام ، لم أتبيّن ملامح وجهها بسبب وقفتها الجانبية ، تمنيت أن أرى عينيها ، فتاة مثلها ذات شعر أشقر مسدل ، لابدّ أن تكون صاحبة أجمل عينين .. توقفت الحافلة عدّة مرات ، وفي كلّ مرّة كان عدد

الركاب يتزايد ، ورائحة الحموضة تشتد وتتزاحم

الأنفاس والأجساد ، حتى وصلتُ إلى ظهر تلك الفتاة ،

وبات جسدي ملتصقاً بها ، وخصلات شعرها أخذت تحطّ

على وجهي ، كلّما استطاعت نفحة هواء أن تصل إليه .


          خطر لي أن أبتعد عنها ، فقد تسرّبت إلى نفسي

رائحة الأنوثة ، التي حرمت منها ، تلفّت حولي لعلّي أجد

مكاناً أوسع لي ، ولكن إلى أين ؟.. وهذه الوقفة المريحة

وهذا الجسد اللدن يدعوانك للاقتراب أكثر .


       الحافلة تهتز وتفرمل وتمشي ، وعلى هذه الأنغام ،

كنتُ أنعمُ بالالتصاق خلف تلك السّاحرة ، وأتلفّت حولي

بين اللحظة والأخرى ، خوفاً من أن يكون قد أحسّ

بحركاتي أحد الركاب .


وفكرت :

– لماذا لا أتخذ موضعاً أكثر اثارة ، ولن يلحظني أحد ؟!.. وهي لن تمانع .. يبدو أنها معتادة على مثل هذا الزّحام ، لكن هاجساً بداخلي أجابني :

– ماذا تقول ياأستاذ ؟! .. أتعود مراهقاً من جديد ، ألا

تخجل !؟.


            لم أعثر حولي على مكان غير مكاني ، الازدحام

يزداد .. والمسافة إلى محطة الوصول بعيدة ، و فاتنتي

تقف ساكنة لا تلتفت ، كانت سارحة خلف الزجاج .


– لا تكن جباناً وأحمق ، لماذا لا تنعم بهذه اللحظات

الدافئة !!.. ليت الطريق يطول أكثر ، وليت هذه الغادة

الشقراء لا تنزل أبداً .. طوال عمرك وأنت تحلم بالشقراوات ، والحياة تضنّ عليكَ بامرأة ، مجرد امرأة ،

فكيف شقراء ؟!.. إذاً اغتنم هذه اللحظات ،شدّ عليها ،

اجذبها إليك ، ولا تدعها تفلت.


      أمامك سنوات ستقضيها وحيداً دون امرأة تشاركك

فراشك .. تزوّد بالدفء الآن ، بالأنوثة .. بنعومة الشعر ..

بنضارة العنق الذي تكاد شفتاك تنقضان عليه .. تزود

بلمسة ، فأمامك ليل طويل ، بمكنك عندها ، أن تتذكر

هذه اللمسات ، وتستحضر هذه الناعمة ، وتبدأ بممارسة

عادتك الجهنّمية ، وحيداً ستكون ، تتلوّى في فراشك ،

تزأر عروقك بالشّهوة ، تستعر أنفاسك ، ونبض قلبك

محترقاً .. خذ لمسة من عجيزتها .. لمسة واحدة …

تكفيك طوال العمر .


          أمر زواجك مستحيل ، ربما بعد خمس سنوات ..

وأنت تشارف على الأربعين ، تستطيع أن تفكر .. أنت

فقير وراتبك تتلقفه أمك وشقيقاتك ، منذ أول الشهر ..

لولا فقرك هذا لما وافقت أمك على طلب يد ” فطوم ”

ابنة أخيها .. آهٍ فطوم .. سمراء بلون الصدأ ، قصيرة مثل برميل ، وعيناها ثقبان بجفون مبطّنة ، وشعرها كأسلاك شائكة ، فمها واسع التكشيرة ، وأنفها ضخم مكتنز .


قلتَ حينها في نفسك :

– فطوم .. أفضل من لا امرأة ، والنساء على أية حال

متساويات فوق السّرير في الظّلام ، وهكذا ذهبت مع

أمك وأخواتك العوانس الخمس ، لطلب يد ” فطوم ” …

وكم كانت المفاجأة قاسية عليك ، إذ طلب خالك منكم ،

أن يكون سكنك وحدك ، بعيداً عن أمك وشقيقاتك

العوانس ، وعليك أن تدفع مئة ألف ليرة للمقدم ، ومثلها

للمؤخر ، عدا ثمن الذهب خمسين ألف ليرة .. إذا كنت

فعلاً راغباً بفطوم .


          انعم إذاً بهذه الشقراء .. اقترب أكثر .. التصق ، حرّك فخذيك قليلاً ، وتحسّس بيدك عجيزتها المكتنزة ، تحسّس ولا تخف ، فالكتاب والجريدة كفيلان بالتمويه

..اقترب واياك أن تحدثني عن الأخلاق ، أما يكفيك أنّك كلٌ يوم لا يتوقف لسانك عن ذكر الأخلاق الحميدة والفاضلة أمام طلابك؟ ماذا جنيت من كلّ ذلك ؟ هل نفعتك ؟ .. كل ما تستطيع فعله هو أن تحترق ، أمام وسحر وجمال طالباتك .. إذا كنت تعدّ نفسك إنساناً مثقفاً وموضوعياً فعليك أن تعترف بأنك رجل مكبوت ، والجنس ضروري في حياة الإنسان ، فلماذا تمنع نفسك عن اللذة ؟ … بالأمس تهربت من الآذنة أم ” محمود ” بحجة أنها كبيرة ، وتعمل آذنة في الثانوية ،إذاً ماذا تفعل وقد ثبت فشلك مع زميلاتك المدرسات ، عجزت عن اقامة أي علاقة باحداهن ، والسبب هو أخلاقك الفاضلة … إنك لا تعرف الخداع ، كلما تعرفت إلى واحدة صارحتها بحقيقة وضعك المادي .. وتهرب منك .

في هذه اللحظة وجدتني ضعيفاً مستسلماً لشهوتي

الحقيرة ، وها أنا أمدّ يدي الراعشة ، لتتحسّس ما تصبو

إليه ، وبسرعة غير متوقعة ، التفتت فاتنتي إلى الخلف ،

والصرخة ملء فيها .. وياللهول !! .. كم كانت المفاجأة

عنيفة وقاسية ، كظمت صرختها والدهشة المتجمدة على قسمات وجهها وعينيها الجزعتين :


– لا .. لا هذا ليس معقولاً .. شيء لا يصدق ،مستحيل .. لا يعقل أن تكون هذه الشقراء احدى طالباتي ، في الصف الحادي عشر ؟!


      رباه لا بدّ أني في حلم .. هذه الشقراء أعرفها جيداً ، إنها ” نوران ” أكثر الطالبات اجتهاداً ، تعتني دوماً بجمالها الآخاذ وذكاؤها عال وبديهتها سريعة ، أعرف أنها تكن لي فائق الاحترام ، وهي تحبّ مادة الفلسفة .. ومرّة سألتني :


– لماذا ياأستاذ يكون مدرسوا الفلسفة إنسانيّن وطيّبين

كثيراً ؟ .


        في تلك اللحظة سررت كثيراً من سؤالها ، اعتبرت

كلاًمها مغازلة غير مباشرة ، ألستُ أحد مدرسي الفلسفة ؟ .. إنها تقصدني إذاً ، تمنيتُ أن أتقدم وأطلب

يدها ..لكنّ فقري سرعان ما قفز ومزّق فارق السّن  الأحلام .


         في احدى المرات أخبرتني بأنّها تتمنّى أن تختص

في الفلسفة ، فهي معجبة بسقراط الحكيم وبحكمته ،

ولكنها كانت تفكر بالطريقة التي تقنع أهلها ، ففرع

الفلسفة غير موجود في جامعة حلب ، عليها أن تذهب

إلى جامعة دمشق ، وهذا ماسوف يمانعه والدها .


       عندما التفتت ، كان ذلك الشعور الذي ارتكبني أكبر

من الخجل ، إنه شعور بالعار والاثم والفضيحة ، شعور

جعلني أنكر ذاتي ، لقد سقط القناع عنّي أخيراً ،

واكتشفت مدى ما آلت إليه قدرات الشهوانية عندي ، إنّي.بكل بساطة أنقسم إلى إثنين : مدرس فلسفة يتشبث بالأخلاق والفضيلة ، وحيوان شهواني عبد وضيع لشهواتي . تمنيت لو تنشق أرضية الحافلة فأسقط.وأضيع .. أموت .. لعلي أنتهي وتنتهي ” نوران” أيضاً.


         ابتعدت عنها ، تراجعت عن نظرة الاشمئزاز ، التي

قذفتني بها ، اندفعت بقوة نحو الباب ، أخذت طريقي

بصعوبة بالغة ، ومن شدّة توتري وشعوري بالخزي ،

دهست قدم طفلة تمسك بأذيال أمها ، التي تحمل

رضيعها ، فانبعث صراخ الطفلة فاغرة ببكاء حاد ، تابعت

انهزامي غير عابئ بالنظرات الشذراء .. وقفزت عند أول

موقف .


        غداً كيف سأواجهها في الصّف ؟ .. لابدّ أنها ستبلغ

عني زميلاتها الطالبات .. وسيتبرّعن بدورهنّ لنشر

الخبر ، وربما تسّربت الفضيحة إلى بقية الثانويات

الموزعة ساعاتي فيها . ثمّ ماذا لو ذهبت ” نوران ”

وأخبرت والدها ؟ .. حتماً سأجده غداً بانتظاري عند

المدير ، الذي يعتبرني أفضل المدرسين عنده،

ياللفضيحة .. سيخبر المدرسين والمدرسات ، بما

اقترفته.


       سرت في الطريق ساهماً ، قلبي بنزف ألماً وخجلاً ،

ودمعتي تكاد تقفز من عيوني ، كان عليّ أن أعرفها منذ

النظرة الأولى ، فهي من أحبّ الطالبات إلى قلبي ، فكم

من مرة حلمت بها ، وعرّيتها من ” بدلة الفتوة ” . كيف لم أعرفها !؟ .. ألأنها كانت ترتدي كنزة صفراء وبنطال

الجنز !! .. أم لأني لم أر وجهها ؟؟ .. كان غباء منّي ..

ولكن ما حصل قد حصل .


           عليّ أن أطلب نقلي من الثانوية منذ الغد ، وإذا

وجدت الخبر منتشراً في الثانويات ، سأطلب نقلي إلى

الريف ، أو ربما قدمت استقالتي .


         وعندما عدّت إلى منزلي متأخراً .. كانت المفاجأة

تنتظرني ، نعم لقد وافق خالي أن يزوجني ” فطوم ”

مقابل أن أسجّل لها نصف دارنا .. وسيكتب المقدّم عليّ

مئة ألف غير مقبوضة ، ومثلها للمؤخر .


     وما كان بمقدوري إلّا أن أوافق .. فأنا فقير ومسؤول

عن أسرة ، وليس من حقي أن أحلم بفتاة شقراء ، يجب

أن أتخلى عن الرومانسية ، فالفقر والجمال عدوان لا

بجتمعان … سأتزوج من ” فطوم ” .. وعندها أنام معها

سأطفئ النور ، وفي الظلام كل شيء متساو ومتشابه ،

فالظلام نعمة يجب أن نحافظ عليه .


                   مصطفى الحاج حسين

                               حلب ..

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق