الأربعاء، 14 أبريل 2021

المقامة القامشلاوية بقلم // عبد الجابر حبيب

 المقامة القامشلاوية


 

لكل واحد منَّا حكاية أو ربما مغامرة للحصول على كيس خبز. ...

حدثنا ابن هشام وقال :

البارحة ذهبت إلى الفرن،  وأنا متفائل بأن الحظ سيحالفني . وقفت كغيري من أصحاب الوجوه التعسة.  في طابور مكون من أربعة صفوف طويلة خرجت من تحت المظلة المخصصة. انتشر من حولنا العساكر تزين أكتاف بعضهم نجوم مرصعة بلون ذهبي، وآلاف العيون تراقب الباب الأزرق الكبير حيث تخرج منه بين حين وآخر عربة محملة بأكياس الخبز. 

وعند وصولها نرى الغربان تنقض على الأكياس من حولنا ونحن في الطابور نسير كالسلحفاة ..

وبعدما ملّ الصبر مني صرخت بملء صوتي:  ياسيادة الملازم ألا يكفي التهريب من هنا وهناك ...بعشرات الأكياس ...

فما رأيت إلاّالشرر تطاير من عينيه

وردّ بكل عنجهية ...ماذا قلت ؟ 

قلت : عفواً ياسيادة الملازم ...هؤلاء أيضاً أناس لديهم مشاعر وأحاسيس ...ليقف هؤلاء أصحاب الوساطات قليلاً .هذا يحمل خمسة أكياس وذلك سبعة والثالث عشرة أكياس...

غضب السيد الملازم من كلامي وكأنني ألقيت في وجهه قنبلة ..

وقال : تعال يابطل الأبطال سأريك ما لم تره بحياتك 

قلت ولماذا آتي إليك ...أنا في دوري 

صاح الضابط المغوار بأحد العساكر : أخرجوا هذا الثرثار من الطابور....

وقبل أن يأتي العسكري خرجت إليه حفاظاً على كرامتي وتخليت وهو يجرني أمام الناس ...خاصة أني  ندمت بعدما رأيت الوجوم سيطر على الحضور ولاحياة لهم ... لم يؤيد أحد منهم صدق كلامي 

 قلت : نعم ماذا تريد. .. ها قد أتيت إليك  صاغراً ...

قال السيد الملازم الأول : انقلع من هنا وإلا طلبت لك دورية وسأكتب فيك تقريراً يودي بحياتك إلى الأبدية. 

بأنك تحرض الشعب على العسكر ...

قلت : يا إله السموات أهكذا بدون مقدمات  ...

وأنا المعلم الذي قضى عمره في تربية الطلاب ويسير بجاتب الحائط،ويقول ياربي السترة ...

 أصبحت محرضاً على الفتنة ...

عندما سمع كلامي بأنني من سلك التربية

رقّ قلبه لأنه يعرف تماماً البلاء الذي حلَّ بالمعلمين  فسمح لي بالعودة إلى الطابور مرة ثانية ...

وقفت مذهولاً ...عشر سنوات ولم نتعظ من كل ما جرى لبلدنا الحبيب من دمار وخراب ...وما زال فينا من يفكر بالتقارير ...قد يكون سهلاً أن ترمم ما تَدمر  من بيوت  أوقصور فهي في النهاية من الحجر. .. أو أن تقف  تقف ساعات في الطابور ....طابور الخبز  أو الغاز  أو غيره من الألغاز ...

ولكنْ من الصعب جداً أن نرمم قلب الإنسان أو عقله  أو ضميره  المستتر  وراء الفساد  

مادام  فينا مثل ذلك (..الملازم.)

وفي اليوم التالي ...رأيت السيد العميد  إلى الفرن قد حضر ...و بالنظام على الدور قد سيطر ...

قلت لأحد العساكر إذاً لابدَّ أن يكون عليكم مراقب حتى تستقيموا ...

للأمانة قال : نعم وهو يبتسم ...

فكرت بعرض ماجرى لي للسيد العميد ..ولكنني رأيت بيني وبينه مسافة أطول من جرأتي المهزومة..

كالمسافة بين السماء والأرض ...

حملت كيس خبزي،  وسرت  بخطوات  تائهة ....

كيف سأحصل على الخبز غداً يا ترى؟


....عبدالجابر حبيب ...

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق