الأربعاء، 14 أبريل 2021

الكاتب الكبير بقلم // ربيع دهام

 قصة قصيرة : ( الكاتب الكبير) 


جاءه الخادم مطأطِىء الرأس ، يمشي بخطوات حذرة  كأنه اقترف جنحةً ما : 

" سيدي. هناك رجلٌ على الباب يرجو أن تسمح له بلقائك ".

خبط الكاتبُ الشهيرُ ، فريد شلفون ، بقبضته المكتبَ ، فتطايرت الأوراق في

 الهواء حتى لاصقت السقف :

" ومن ذاك الذي يرجو أن يقابلني؟". 

تساقطت الأوراق على وجهه  وعلى المكتب أمامه.

أزاحها بعصبيّةٍ أبداعية . يُكمل :

" ألم تقل له أنني منهمك جداً في كتابة روايتي السادسة والثلاثين؟ ".

تمتم الخادم بشفتين مرتجفتين بالكاد استطاعت الحروف أن تشق طريقها منهما : 

" سيدي . هو كاتبٌ مبتدىءُ ، ويقول أنك مثاله الأعلى وملهمه.  وأنه أحب الكتابة بسببك. وهو متعطّش إلى نهل بضع ما تختزنه أنت من ينابيع خبراتك".

زمّ الكاتب الكبير شفتيه علامة الإشمئزاز ، وأكمل كتابته. 

ومن دون أن ينظر إلى الخادم، هدر : 

" ومن يظنّ نفسه هذا الهاوي الفاشل ليحظى بشرف لقائي ، أنا الكاتب الكبير؟  قُل له أن يرحل الآن وإلا طلبتُ له الشرطة بتهمة الأزعاج المتعمّد وخرق خصوصيات الناس".

عاد الخادم ، محروق الأعصاب ، إلى الشاب المتحمّس الواقف خلف الباب ، وأبلغه بالأمر.

ما إن سمع الشاب المتحمّس هذا حتى ذبلت الأوراق التي  كانت بيدَيْه.

 أوراقٌ أراد  أن يقرأها الكاتب الكبير ليبدي رأيه فيها. 

تدحرجت صخرة الخيبةِ من رأسه حتى أطبقت على صدره. 

ارتخت كتفاه. ارتجفت يداه. وحنى جمجمته. 

استجمع خلاياه الذليلة وعاد إلى البيت. 

في بيته الصغير ، نظر إلى وجهه في المرآة . رأى كلمة "فاشل" منتصبة

كالمشتنقة على جبينه.

غبَّش بخار الماء الساخن الزجاج ، فاحتجب  وجهه خلف الهواء الساخن.

أغلق الصنبور. فتح الباب. فرك المرآة بأصابعه.

أطلّ وجهه من جديد . لكنه وجهٌ بكلمةٍ أخرى هذه المرّة.

قرأ كلمة "تحدّاه" على جبينه .

وفوراَ ، ومثلما قالت الكلمة ، ترجلّ  إلى مكتبته  وبدأ يعمل. 

راح يقرأ ويكتب ويتمرّن. 

ينهل من كتب الروائيين الكبار عن فن الكتابة.

يغرف من الِسيَر الذاتية للكتّاب. يقرأ بِنَهَمٍ كل ما صادفه في المكاتب من روايات. عربية وأجنبية. محلية وعالمية.

ومرّت الأيام والشهور، وراح الشابُ يتقدّم درجة درجة في سلّم الكتابة ، حتى صار كاتباً مشهوراً ، له ستة وثلاثين رواية في السوق.

ربح جوائز أدبية كثيرة ، قفزت حالته المادية من صحراء الربع الخالي إلى جبال الهملايا.

امتلك قصراً كبيراً تحيطه جنينة لا مثيل لها في البلاد.

صار يملك شقةً في هذا البلد ، وبيتاً في ذاك البلد ، ومشروعاً سياحياً في بلده.

وصار عنده خدم وحشم. حتى أنه استأجر خادماً يحمل له الكتاب أثناء القراءة.

وكان دائماً يقول في نفسه : "  مُت يا فريد شلفون في غيظك. ها قد صرتُ أفضل وأشهر منك . أنت الذي طردتني يوماً لمجرد أنني كاتبٌ مبتدىء. مُت في جحيمك".

وذات يومٍ ، وفيما كان جالساً وراء مكتبه منهمك في كتابة روايته الجديدة ، اقترب منه خادمه الذليل مطأطىء الرأس، وبكل خشوع وخوف، أبلغه : 

" سيدي ، هناك شابٌ على الباب يرجو أن تسمح له بمقابلتك".

ومن دون أن ينظر في عينَي الخادم ، ومن دون أن يحرّك شفتيه : " من هو؟" ، قال للخادم.

" يقول أنه طالب ، أحبَّ الكتابة بسببك. فأنت مثاله الأعلى ، ويبتغي شرف اللقاء بك ، ولو لثانية ، علّه يحقّق حلمه الأكبر" ، أجاب الخادم.

خبط الكاتبُ بقضته المكتب ، فطار الإطارات عن الصور ، وطارت الصور عن الجدران. 

وأرفق الخبطة بكلام غاضب وصوت جهور :

" ألا يدري ذاك المغفل خلف الباب أنني منكب على كتابة روايتي السابعة والثلاثين؟ سترى. سترى يا فريد شلفون. سأسبقك برواية".

لكنه عاد وسكت فجأة. تنهّد. لام نفسه. تذكّر يوم كان شاباً ذليلاً مقهوراً يقف خلف باب الكاتب الشهير الذي لم يكلّف نفسه عناء رؤيته حتى .

أغمض عينيه ، استجمع قواه ، ثم صرخ بإعلى صوته لكي يسمعه الخادم :

"ومن؟ من يظن نفسه هذا المعتوه ليحظى بشرف لقائي؟".


( ربيع دهام)

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق