الجدار
١
قال: ولا أحب أن يغضب مني أحدٌ، ولا أطيق وِزْرَ من ينوء وزرُه به، ولن أكون وزر من لا يحمل حتى وزرَهُ ... ! وإن أردتم فأنا أكون عبر الدائرةْ.
أو لو أردتم فأنا لا شيء يغريني ... ، ولا في خلدي بوحُ الذي في شجني من وجع، أو سردُكم ترهقني المواقع المدورةْ.
ومجَّ آخر سيجارة من شغفٍ، وقام من موقعه، شرَّعَ من قفاه بعض هزة تعلن عن طاقتها في لعب الحكي، وخلّى القومَ في حيرتهمْ! . هل فهموا قالتهُ ؟... ما فهموا ؟ ... ما الأمرُ ذا شأنٍ هنا. ثم مضى، واختلط القول على ما لم يَبُحْهُ أحد ، وشَرَّعوا فوضى الكلام قاب قوسين، إلى أنْ شحت الشمس كثيراَ، وخوَى شوقُ المجاديف، ولم تخطر على الشاطئ رؤيا الآخرة.
٢
عرَّج في طريقه إلى "خُشَّتها"، وطرَق الباب، ولم ينتظر الردَّ، ورد الباب من خلفُ ... وما فاجأها. تهلَّلَت ، وأحضرت شاياَ، وألقت جُرْمها الرَّهيفَ في جوارِهِ، وراح من نشوته يطير في الرحاب لا تحده المواقع المدورة ، يتوه في قراره ، يغيب عن أوزاره ويستبيح باحةَ الأمانْ.
وخَبَّرته أنها مشتاقة...! وأنها وحيدة ، وأنها لما يدق بابَها يغمرها الأمانْ... ! وخبَّرَته أن محمود العلي لا يختشي، وأن شمس الدين قد بَحْلَقَ في "الخشة" أمس ومضى في حاله من بعد أن حرَّن كالثور وهز الحاجبين وتمادى بكلام أبردَ من خلقته ... وأن " نص مصيص" ظل يتهادى مثل فحل "العرَّة" عند بابَها ... ، وأنها تقرف من تَخَلُّع الرجالِ !... لكنْ هي لا تَحْفَلُ، لا يعجبها من الرجال غيرهُ ! وداعبت جبينه الغاضب ثم سكتت ... وشربا الشاي ولم يدَّخرا الشوقَ رهيناً للحوارْ.
٣
أما الرجال ، لم يطيقوا بعدَهُ البقاء في مجلسهم أكثرَ من هدر كلام ليس منهُ، ورهانٍ وكلامٍ ورهانْ ...!
حملوا قالاتِهِم وانصرفوا كلٌ إلى باحتِه ، والليل كان قارساً ، والريح كانت قرةً تطيح بالوجوه والعيونْ...
واعتكرت من همها السماء حتى لم تعد تلمح حتى اصبعاً مَدَدْتَه قُدَّامَ ناظريك حين أركنت لخفقها الظنون:
أحدهم راجع في العودة أمراً لم يقله للرجال قبل أن يعثر بالجدارِ، ثم إنه قد وصل الباحة من غير قرارْ، وآخر احتدَّ وشدَّ الخطو في عودته من غضبٍ فصدم الجدارْ.
وثالثٌ تفاقمت في ذهنه الأفكارْ
ورابعٌ ظل يسب ملءَ شدقه
وخامس مرتبك
وسادس منهمك
وسابع محتارْ ...!
الكل عاد محبطاً، والليل كان بارداً والريح كلأعصارْ، وكلما الواحدُ منهم مر "بالخشة" همهم ... واستدارَ نحوها ، فيصدم الجدارْ.
٤
ظل شمس الدين في الدار إلى أن وصل القوم إلى باحاتهم و"غطغطت" ، فانسل في الليل وفي الريح الى الخشة، هز الباب ثم اندس في النور وكانت وحدَها ...! لم ترتجف، بل ردت الباب وجاءته بكأس الشاي ثم انهمرت بجرمها الرهيف في جواره، وخبرته أنها مشتاقة، وأنها وحيدة وأنها لما يدق الباب يأتيها الأمانْ.
وخبرته أن محمود العلي لا يختشي، وأن "نص مصيص" ظل يتهادى عند بابها، وأنها تقرف من تخلع الرجالْ...
وخبرته أن سلطانَ أتاها غاضباً قبل قليل فسقته الشاي ثم فهمت منه بأن القوم يبغون لها السوء، وكانوا عنده في داره، وأنها ما صدّقتْ سلطانَ ولكن صرفته بعد أن شرب الشاي، فولى مثلما جاء لأن القلب مرهون لشمس الدين من بين جميع المدنفين العاشقينْ.
فاهتز شمس الدينْ !
واهتز شارباه مثل باشق ... وهب في مجلسه وأغلظ اليمينَ أن سلطانَ دعيٌّ فاجر، وأنه لوحده الأمينْ.
٥
لم يطلع النهار حتى هز بابها الرجال كلُّهم، وشربوا الشاي.. وهزوا الشارب .. واهتزوا .. واغلظوا اليمين أنهم ...!
وأنهم ...! وأن من أجل عينيها فلا حاجة أن يتسع الشارع أصلاً ها هنا...
فلتبق في مكانها الخشةُ وليبق الجدارُ إذ لَطالما كان الجدار ها هنا، وطالما وطالما تلمسوا الجدار.
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق