العنف ضد المرأة في المجتمع العربي .
............................................
بقلم الكاتب الاعلامي :
الدكتور أنور ساطع أصفري .
*********************************************************************************
علينا أن ندرك أن العنف ضد المرأة هو إرثٌ قديم ، ليس في مجتمعاتنا
العربية وحسب ، بل في المجتمعات الأخرى أيضاً . إلاّ أن المرأة في
المجتمعات الأجنبية خرجت عن صمتها ، بل كسرت حاجز الصمت وتجاوزت كل قيود الخوف والضعف ، فحصلت على حقوقها كاملةً ، وأصبحت سيدة الموقف كالرجل تماماً ، كما كسرت حاجز الخوف والتردد في الشأن السياسي ، وتبوأت مراكز في الدول ، وكلنا يتذكر تاتشر وغاندي وبوتو وكلينتون على سبيل المثال ليس إلاّ ، وأصبحت المرأة في تلك المجتمعات رمزاً متجدداً يتفاعل مع المجتمع في العلم والسياسة والثقافة والفنون الخ .
فنحن في مجتمعاتنا العربية بحاجةٍ ماسّة إلى مراجعة الخطاب الديني
وبحاجةٍ أيضاً إلى فهم مكنونات الخطاب الديني . فسبحانه وتعالى قال في
كتابه الكريم " الرجال قوّامون على النساء " ولم يقل " الذكور قوامون على
النساء " ، لأن هناك فرق كبير بين الرجولة والذكورة ، وعلينا أن ندرك ذلك
، والآخرون اللذين يتحدثون في هذا المنحى عليهم أيضاً أن يفهموا جيداً
تفسير النص القرآني ، فهناك نصوص قابلة لأكثر من تفسير حسب ثقافة المتلقي ، وهناك إجتهادات .
كما أن المجتمع العربي بحاجةٍ ماسّة إلى خطاب إعلامي حضاري ومسؤول يعمل على رفع مستوى الوعي المجتمعي تجاه قضايا العنف ضد المرأة ، أو ضد الإناث ، وبحاجةٍ أيضاً إلى قوانين فاعلة ونافذة ورادعة فيما يتعلق بهذا الشأن ، ونحتاج بكل تأكيد إلى ثورة مجتمعية أخلاقية تعزز للمرأة حقوقها وتعريفها بالوسائل القانونية والإجتماعية التي تساعدها على حماية نفسها ، وفي معرفة أنواع العنف التي قد تطالها كل يوم ، وأن تتعلم كيف تصرخ كفى وبدون تردد وفي صوتٍ عال ٍ ، وعلى كل المستويات ، كي يأخذ الآخر الجزاء العادل أيّاً كان شكل العنف الذي مارسه .
ومع ذلك وقولاً واحداً إن اللذين يُمارسون العنف ضد المرأة هم مرضى ،
ويشعرون بنقصٍ في دواخلهم فيستعيضون عنه بالعنف مع الأضعف كما يعتقدون .
فأحد مقاييس تقدم المجتمعات هو الموقف من المرأة التي هي نصف المجتمع إن لم نقل أكثر من ذلك ، ولكنها في مجتمعاتنا ومع الأسف تُعامل على أنها أو كأنها قطعة متحركة ليس إلاّ . إنه الإضطهاد الذي لا نزال نراه ونتابعه في مجتمعاتنا العربية وفي القرن الواحد والعشرين . فنسبة الأمية في الوطن العربي تبلغ 33% ، أمّا نسبة أُميّة المرأة فتبلغ 59% من النسبة السابقة ، وهذا شكلٌ من أشكال العنف ، حيث أن العنف ضد المرأة ليس جسدياً وحسب بل هناك عنف إقتصادي وجنسي وقانوني وسياسي وثقافي .
طبعاً نحن نأخذ بعين الإعتبار أن المرأة كان لها السلطة العليا واليد
الطولى في المجتمعات البدائية وما بعد ذلك ، وكانت هي سيدة المجتمع وكانت المحرك الأساسي إقتصادياً وتجارياً آنذاك . ولكن دورها تآكل رويداً
رويداً إلى أن أصبح ومن خلال الإستغلال الإقتصادي الرجل هو المتحكّم برأس المال حيث مارس كل أشكال الإستغلال والجشع والعنف ضد الآخر .
فحقوق المرأة يعود إلى آلاف السنين قبل الميلاد مع إختلاف نظرة الشعوب
إليها ، بدءً من شريعة أورنامو ، وشريعة أشنونا في بلاد الرافدين ، ثم 22
قانوناً من أساس 282 قانوناً من شريعة حمورابي .
ولكن وبشكلٍ تاريخي نستطيع أن نقول أن المرأة عانت في مجتمعاتنا من
الإضطهاد والعنف الممارس عليها من خلال النظرة الدونية لها من قبل
المجتمع ، ومعاناتها من ظلم الزوج وعائلته ، ومن والدها وشقيقها وعمها
وغيرهم . فالزوج يتصور نفسه وكما يعتقد واهماً أنه الحاكم بأمر الله ،
والمرأة في وجهة نظره ليست سوى آلةً للتفريخ وقيامها بواجبات المنزل ،
لذلك نستطيع أن نقول أن المرأة العربية تعاني إضطهاداً مركّباً من داخل
العائلة وخارجها . وبنفس الوقت هناك إزدواجية في الآراء ، حيث وللأسف أن
الكثير ممن يحملون شعارات المناداة بحقوق المرأة ، هم ممن يظلم المرأة ،
وخاصة على صعيد البيت ، فهم ينظّرون للنساء الأخريات ، فالتنظير هنا يشمل النساء الأخريات ولا يشمل نساء بيته كزوجته أو إبنته أو شقيقته ، فنرى أن النظرية والممارسة وما بينهما يعني قمة الدجل في المواقف . فهو لا يرضى لزوجته أو إبنته أو شقيقته ممارسة العمل السياسي أو الثقافي أو الفني ، فهناك إنفصام بين الإدّعاء النظري والتقدمية التي يبديها في حياته .
وهناك صفات كثيرة يطلقها قادة الأحزاب العربية إلى جانب أسمائهم مثل "
الوطنية والديمقراطية التحررية ، ونصير المرأة " لكنهم في حقيقة الأمر هم
براء من كل هذه الصفات . ففي الواقع العربي نحن بأمسّ الحاجة إلى القضاء على كل مظاهر العنف والقهر والتمييز ضد المرأة العربية .
إن العنف ضد المرأة هو ظاهرة إجتماعية في المنطقة ، على الرغم من أن
الغالبية العظمى من أبناء المنطقة يعتنقون الدين الإسلامي ويدركون
المكانة العظيمة التي منحها هذا الدين للمرأة وكرّمها عن سائر المخلوقات
، وجعل لها أهمية وقيمة كبيرة في المجتمع الذي تعيش فيه . إلاّ أنها
تعاني الآن من ظلم وإضطهاد وعنف يُمارس عليها وبحقها ، ويكاد يكون بشكلٍ يومي ومستمر وفي مناطق مختلفة ، طبعاً زادت هذه الظاهرة في الآونة الأخيرة مع تزايد التقدم التكنولوجي الحاصل في هذه المجتمعات . آخذين بعين الإعتبار أن سكوت المرأة وقبولها للعنف الذي تتعرض له يُعدّ من أهم الأسباب التي أدّت إلى إنتشار وتفشي هذه الظاهرة ، حيث أن المعتدي لم يجد أي نوع من الرفض أو المقاومة أو الردع الذي يوقفه عند حده ، وغياب هذه الأمور أدى إلى تماديه وإستمراره في القيام بأعمال العنف ضد المرأة . ومن جانب آخر فإن تربية الإنسان التي ينشأ عليها منذ طفولته هي التي ترسم وتعكس شخصيته وطريقة تفكيره وإسلوب حياته ، فالإنسان الذي يتربّى على العنف في بداية حياته بكل تأكيد سيتعامل مع الآخرين بإسلوب عنفواني وخاصة مع المرأة .
ومن جانب آخر أيضاً فإن التمييز والتفريق بين الذكر والأنثى في مجتمعاتنا
بحجة العادات والتقاليد السائدة تؤدي إلى تهميش دور المرأة وفقدان
مكانتها . والأهم من ذلك هناك بعض الدول والحكومات التي لها دور كبير في إنتشار العنف ضد المرأة ، ولكي يكونوا عكس ذلك عليهم أن يفرضوا ويشرّعوا القوانين التي تحد من هذه الظاهرة ليتم القضاء عليها ، وفرض العقوبات الصارمة بحق اللذين يمارسون العنف في حياتهم .
فمشوار علاج العنف ضد المرأة لا يتم حتّى تتغيّر العقلية والرؤية العامة
تجاه المرأة ، وتصبح المرأة إنساناً فاعلاً ذو كيان ، وذو إعتبار ثابت لا
يمكن في أي وقت التنازل عن حقوقه والتضحية عن مكتسباته ، حيث أن أهم
التحديات التي تواجه وقاية المرأة من العنف هو الفرق بين ما يُقال وبين
ما يُمارس ، فهناك كلام كثير يُقال ، لكن ما يُمارس يختلف ويتناقض مع ما
يُقال ، فمن المهم إذاً تطبيق القول مع الممارسة فيما يخص العنف ضد
المرأة . كي نكون صادقين مع أنفسنا ومع الآخرين ومع مجتمعنا .
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق