بارودة وبيت الشكوحي.و.بلاطة..وغيرهم...نحن أيضاً نعرف البكاء
................................................على مفترق الانسانية
لم تكن يد أمي من أيقظتني هذه المرة..ولكنها الجلبة الكثيفة في الخارج ..أصوات رصاص ورجال ونساء و صراخ من بعيد..وعبارة ( الله أكبر..)يتردد صداها..في كل مكان..وبلاشعور وجدت نفسي في زاوية الغرفة ملتصقة بساق فاطمة..التي وضعت بدورها رأس أخي علي في حضنها في محاولة يائسة لإسكات فزعه ودموعه..ويعلو صوتها في كل مرة وهو يرتعش خوفاً ..محاولة أن تعطينا أماناً..لا تجده هي في نفسها..
(أبي ..أخد الكسر..وعمامي هون كمان ..ولا يهمكن يا خيي..وا ..علي..العالم كلها معاهن برّة..مشان الله لا تخاف يا خيي..).ولكن محاولتها كانت فاشلة أبداً أمام صراخ الصبي ذو الست سنوات..( أمي..بدي امي..ياااأأأمممي)..لقد كنت أشد توقاً من علي للصراخ بكل مكان (بدي ..أمي..وين ..أبي..) ولكني لم أستطع..ربما حاولت ولم يخرج صوتي..
كانت أمي مجنونةً بحركاتها..عندما دخلت علينا بعد قليل..وهي تصرخ بوجهنا ( شو بدي أعمل...جاين من كل الطرقات..شو بدي أعمل ..وينك يا سمير..) للحظة واحدةٍ فقط قفزت فوقنا..في محاولة لجعل رؤوسنا في حضنها..ثم ..قفزت بنفس الطريقة..تركض بكل الإتجاهات في محاولة جادة لإيجاد مخرج لنا..وهي تحدث نفسها..( كمان الطريق التحتاني..وطريق بت أبو سالم ..مليان ...عالم ..) ..وقتها.. انتبهت لفزعنا قبل أن تكمل حديثها الداخلي المعلن..
كانت أصوات ..(الله أكبر..الله أتبا ر) تزداد اقتراباً ويأتينا من الخارج صراخ متقطع ..غير مميز المعالم ..صوت نسوةٍ..تصرخ بعضهن..( ولك حرام..عليكن..اتركوه..أبتخافوا الله هنتو..)قبل أن تختفي أصواتهن بشكل كامل ليظهر غيرها..وبكل حين ( الله أكبر..الله أتباااار..)
عندما أخرجتنا أخيراً من الغرفة لم أكن أصدق بأن أرجلنا تستطيع حملنا..كانت الفوضى في كل مكان وكل شيء يركض..حتى الدجاج كان في كل الإتجاهات...وقد تبينا ..بعد لحظة ما كانت أمي تحاول فعله..فقد اختارت القفز عبر الحواكير..بنا واللجوء إلى الدغل..القريب..بحركة واحدة صرنا جميعاً في حاكورة أم محمد..وقبل أن نجتازها..توقف صوت أحدهم عن التكبير فجأة..( الله أك..) ( وقفي يا بنت الكلب..وقفي يا عاهرة..الله أكبر ..اليوم يومكم يا ..خنازير ...)..
أمي التي كانت ..تصرخ معنا الآن( يا أمي..يا أمييي)..كانت قد أمسكت بيد ابنتها الكبيرة فاطمة بيد..أما يمينها فقد شكلت قبضة فولاذية.. لتسحب علي الصغير الذي لم يجارينا ركضاً..وقد أضاف لصراخه..( أيدي..أيدي..يا أمي..)..
أما أنا فقد كنت أتقافز بينهم..لا يخرج من فمي سوى لهاث وفزع لا ينتهي..وبين الحين والآخر أجدني أذكر اسم أخي الصغير بصوت عالٍ..(يا علي..يا علي..مشان الله ..يا علي عجّل يا خيي..).ولكني لم أعلم مطلقاً ..هل من صوت ٍ كان يخرج من فمي أم أنه.. الفزع قد حجب صوتي..
* * *
قبل أن ..يعيد الرجل كلامه مرة أخيرة..أعمل رشاشه ..كانت طلقة واحدة تلك التي رمت أمي..لا يبرح بالي مطلقاً منديلها الأصفر ..الذي ..كان من التقاليد الجميلة في منطقتنا..وقد التفّ على رأسها ليغطي ناصية شعرها..ورقبتها ..وفي زاويته الصغيرة المتدلية على صدرها..كان السائل الأحمر القاني ينسكب كثيفاً..إلى الخارج..وقبل أن تهمد نهائياً..تلفظت بكلمتي فقط..( علي..سمير..الدغل..يا ..فا..).. أختي فاطمة التي صارت الآن في حلقة صراخ بلا هدف .. نزعت وهي تصرخ يد علي من يدها..كانت أصابع أمي ..قد تركت أثراً في يد الطفل نتيجة انحباس الدم فيها..تحركت فاطمة بسرعة..دون تردد..فلم يعد يفصل الرجل الذي توقف من ركضه ليقتل أمنّا...سوى بضع عشرات من الخطوات...وقفزنا نحن الثلاثة في الهواء مجدداً...لم نفكر مطلقاً ..أين وكيف سنقع..المهم اننا نكمل ما بدأته أمي ولن نقف بعلي الصغير مطلقاً..
استفدنا من فارق المسافة مع الرجل..لنتجاوز حاكورة جديدة..وقبل أن يصلها... كنّا قد قفزنا مرة أخرى..وأيضاً هذه المرة وقفت أنا وعلي الصغير الباكي على أمي..وربما لن يستوعب مطلقاً كيف ترك أمه هكذا ..مرمية في الحاكورة وقد ثبت نظرها بعينيه... كنًا نشحطه الآن ..بيننا..ولكن فاطمة..ما قدرت على الوقوف هذه المرّة..وعندما أسندت يدها على رجلها لتعرف السبب..كان الجزء السفلي من رجلها حراً ..يتحرك لوحده...فوق صخرة صغيرة ناتئة كسرتها..وقبل أن تفكر مرتين بدأت بالزحف حول شجيرة قريبة..وهي تصرخ بي ( وا ..خيتي..لا توقفي..كرمال الله ..طيري بعلي ع الدغل..)..
كان الدغل فعلاً قد صار قريباً....وآخر ما أذكره من ذلك اليوم...كم الدماء والخدوش والتي تركتها علينا شجيرات القبار ..التي كانت تحرس الدغل..وعلى صوت بعيد ..لفاطمة وهي تقاوم ذلك الوحش الذي ..تأخر عن مطاردتنا بسبب غنيمته ..توغلت قدر المستطاع..مع علي ودموعي وصوت فاطمة..حتى وجدت مكاناً بين الشجيرات والصخور ..رويداً..رويداً ..تلاشى صوتها..ثم تباعدت أصوات الرصاص..والتكبير..ولا ادر كم بقيت يقظةً ..على صوت علي الصغير ..الذي استمر نحيبه حتى وهو نائم..
فيما ..بعد ..وعندما عادت قريتنا..من هؤلاء الوحوش...سمعت من احدهم أثناء صعودنا الحافلة بأنه لا خبر مطلقاً عن مصير فاطمة ..وغيرها الكثير من صبايا وأطفال قريتنا وغيرها من القرى المنكوبة
..لم أستطع البكاء مطلقاً..على قبرٍ كبير قالوا لنا أن فيه أهلي وغيرهم..والله العظيم لقد حاولت جاهدةً يا أبي وأمي أن أبكيكما..ولم أقدر..كل ما استطعته هو أن أكتب كلمتين على طرف الشاهدة: أمي الغالية..اطمئني يا روحي..فالأمانة وصلت..أخي علي بخير..وقد علمته بأنه يجب أن يخبر العالم يوماً بما جرى..؟؟!!
* * *
( في مثل هذه أيام آب..من العام 2013 ..أكثر من خمسة عشر قرية أبيدت كلياً ..في ريف اللاذقية الشمالي..في حادثة تطهير طائفية مقيتة..)
الاهداء:
(إلى عيني تلك الصبية..في ريف اللاذقية :.نعم سمعت كغيري..ولكني لن أصمت مطلقاً..كما فعلوا)
عيسى أبو ثمرة
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق