حوار مع صورة
قصة بقلم /عماد حمدي
يشد كرسي ،يجلس أمام سرير إبيه ،يفتح أبواب أذنيه علي مصراعيها ؛ينتظر تدفق أحاديث يعيش في حالة شوق لها .
يهنيء أبيه مقدماً لاقتراب العيد، تصعد من قلب الأب عدة أدعية محملة بالخير والصحة والسداد له ولأبنائه .
--يبدأ ألأب بالحديث عن طفولته وشقاوته مع الأدب التام مع أسرته، يصاحب ذلك( قصة سرقة الدراجة منه) وعقاب الجد له .
يسعل الأب بشدة ؛يهرع بسرعة لأحضار كوب من الماء وكيس يمتليء بالأدوية فيختار الأب دواء السعال فهو يعرف شكل علب الدواء ومواعيد الأدوية، تمر دقائق يخلد بعدها الأب إلي النوم .
--يمر أمام عين الأبن شريط طفولته,لعبه في الشارع،خروجاته مع اصدقاؤه ,بنت الجيران الجميلة التي كان ينظر إليها خلسة ,يطوف بخياله صور جيرانه القدامي الذين لم يبقي في ذاكرته منهم سوي الاسماء .
--يسمع أبيه ينادي بصوت واهن: محمود ---محمود .
-أنا أحمد يا أبويا ،لا يريد أن يذكرلأبيه أن محمود مات منذ خمس سنوات في السعودية .
--أحمد –قصدي يا محمود --:كان في حتة جبنة في التلاجة ,عاوز أكل .
ينهض بسرعة ,يحضر صينية ,يضع لفافة ،يقترب من أبيه ,يفتح لفافة السمك—ترتعش يد أبيه اثناء تناول الطعام ،يقطع لقيمات ويضعها في فمه برفق وصبر عجيب ،تعلو وجه أبيه أبتسامة ؛ربما لأنه لم يجلس أحد لتناول الطعام معه منذ أيام ،يلوك الأب الطعام في وهن ،يجلس معه أحمد في هذه المهمة قرابة نصف ساعة .
يخترق أبيه حاجز الصمت :يا أبني ليه مخاصم الأكل .
*الحمد لله سبقتك يا حاج .
-فاكر يا بني كنت باروح السوق وأرجع شايل سمك قد أيه .
--يلمح في عين أبيه دمعة تتأرجح .
-هاقوم أعمل شاي –جملة يقولها ليدير دفة الحديث إلي موضوعات أكثر بهجة
--يحضر الشاي ,يناول يضعه علي منضدة صغيرة ؛ليبرد قليلاً ---يسرح الأب قليلاً ,يشير
إلي حقيبة موضوعة فوق الدولاب .
ثم يقول بصوت متهدج :فاكر يا أحمد -----يشير إلي حقيبة موضوعة فوق الدولاب ،جبتها من السعودية ،أحلي أيام في شركة الألبان ؛ست سنوات كلها فلوس .--يهدأ قليلاً ثم يقول :أشتريت حاجات كتير ليك ولأخواتك خاصة وفاء ،هي بطلت تزورني ليه .
*دي مسافرة أمريكا يا بابا وبترجع كل تلات سنين .
--يمسك الأب برأسه وكأنه لا يعرف هذه الحقيقة لاول مرة ،يتناول كوب الشاي ،أردف يقول: أنت عارف جدك عاقبني أزاي لما العجلة أتسرقت .
*أزاي يا بابا ----يقوله وهو يخشي أن يبسط الملل نفوذه علي ملامحه .
--يغفو ألأب قليلاً ،يراقبه أحمد ، يخزن ملامح الأب في ذاكرته ؛ فهو يري جيش الفناء يرفع رايته يوميا ً علي نظرات أبيه ويظهر نفير النهاية في أرتعاش يديه وصوته الواهن .
--يصحو الأب ويخاطب أحمد بلهجة أقرب إلي تطيب الخاطر :معلش يا أبني مش قادر أقعد معك ؛التعب بينهش كل حتة في جسمي ثم يسلم نفسه إلي غفوة.—الواحد كان زمان بيعمل كل حاجة شغل،طلبات البيت ،باشرح الدروس ليك ولاخواتك .
--يداهم النوم الأب،يتأمل أحمد وجهه أبيه الذي أمتليء وجهه بتجاعيد و أخاديد تزداد حدتها يوماً بعد يوم .—ينتبه الأب فجأة ويقول : أمك وحشتني قوي نفسي أشوفها .يحس أحمد بأنزعاج لسماع هذا الكلام فالأم قد ماتت منذ سنتين ، فجأة يشعر أحمد بيد توضع علي كتفه وصوت يصرخ في أذنيه :"هو كل ما نزورك قبل قبل العيد نلاقيك سرحان وبتبص لصورة جدي الله يرحمه ."
يفرك عينيه،يلتفت حوله ليجد نفسه أبنه أمامه وقد تأهب للرحيل –يدفن رأسه بين راحتيه ،يسمع صوت الباب وهو يغلق ،كان أخر ما سمعه :معلش يا بابا مضطر أمشي علشان وعدت بودي أبني نروح كنتاكي –جبت لك سمك علي الترابيزة" ."
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق