الخميس، 22 يوليو 2021

مازالت في قلبي طفلة بقلم // قويدري سميرة

 " مازالت في قلبي طفلة"


         "إلى الحياة التي جعلتني أتعلم إحتضان نفسي بنفسي،شكرا.. أنا الآن لا أحتاج حضن أحد. "


                                                                قويدري سميرة 


       الحياة تكبر بنا على عجل، فتجعل منا أطفالا بقلوب ستينية منهكة. 

     شوارعنا مليئة بالمحرومين، تلك البراءة التي طغى عليها البؤس، منهكون في محاولة إحتضان أنفسهم المبعثرة التي بقيت بين طفولة و رجولة كيتامى حرب. 

      على غرار الحروب التي تغتصب كل شيء جميل و بريئ حتى في السلم نحن في مواجهة مع الحياة التي  تضعنا دائما أمام حقيقة الفقد، قد نفقد في أي لحظة الأشياء الجميلة التي نتوسد أنسها في وحشة الليالي و مرارة الأيام. 

        حين خرجت إلى الدنيا و أدركت ما حولي شعرت بالوحدة بالرغم من هذا العالم المكتظ كل الأمور المزدحمة كانت تبدو فارغة جوفاء، حتى ضجيج البشر لا يغير شيئا في حقيقة وحدتي. 

       كبرت، و مازالت في قلبي طفلة لم تمارس طفولتها بعد، وحيدة في الشارع أحدث دماي، بينما كانت فتيات الحي  تلعبن سويا، كلما حاولت الإنضمام إليهن يتكاثفن ضدي، كن أقارب، إلا انا غريبة بينهن

أجلس منزوية أمام منزلنا تحت ملامح الصيف الجافة، ثم أحمل دماي لأدخل البيت الذي  كبرت فيه وحيدة، بملل أجلس أمام التلفاز الذي لم تكن به سوى قناة واحدة تعرض فيلم الكرتون مرتين في اليوم.

        والدتي كانت منهكة دائما في المطبخ، أو في محاولة السيطرة على ضغط دمها المرتفع الذي كان يطرحها أرضا فجأة، إغماء والدتي المتكرر جعلني دائمة القلق من فقدها. 

      والداي،  الشخصان الوحيدان  اللذان يشعراني أن هذا الكون ليس بذلك الحجم من الفراغ. 

         ظلت إغماءات أمي تتكرر و مخاوفي تكبر حتى فاقت حجمي

         كانت ليلة رمضانية قبل أن يعلن المؤذن بداية الصيام بدقائق مازال الظلام حالكا و كل شيء هادئ إلا  ضجيج دقات قلبي المفزوعة ، و صوت صفعات والدي على وجنتي أمي المطروحة أرضا كجثة هامدة،  يصفعها أبي  مرارا  دون جدوى، والدي.. بطلي الذي ظننت أنه لا يعرف للخوف معنى، كان خائفا مثلي، مرتبك

أما أنا، فواقفة على الجهة الأخرى ككتلة من الجماد، أشعر بالبرد  ليس في جسدي، هذه المرة في روحي، أحتاج حضنا دافئا يهدئ من روعي و يوقف صخب  هواجسي. 

       قدميْ أمي كانت بادرة كالثلج حين تحسستها، فاستقام والدي مفزوعا، حملها بين ذراعيه و مضى بها نحو المشفى أما أنا فبقيت بأحد زوايا المنزل الذي أصبح فعلا خاليا من كل معالم الحياة، هادئا إلا من ضجيج أفكاري و صوت مخاوفي و نعيق بومة لست أدري من أي غصن شجرة كانت تحدثني، شاخصة ببصري نحو الباب أرقب لحظة عودة والدي مصطحبا أمي لكن ليس في حضنه بل على قدميها المثلجتين، سأضمهما إليَّ  بحب و أنفث فيهما من أنفاسي الحارة و أحضنها بلهفة ألف عام من الشوق. 

        سمعت سابقا ان الموت  يجعل أقدامنا باردة كالثلج، اللعنة، ها هو  شبح الفقدان  يقف أمامي مجددا، ساخرا، يتلذذ خوفي. 

لوكان الفقد جسدا لغرست به كل خناجر غضبي، و توقف الناس عن فقدان أحبتهم. 

       كنت صغيرة حين فقدت أختي الصغرى " شاهيناز"،  تابعت نموها بشغف، وضعت على عاتقها كل آمالي في السعادة كنت أنتظر كبرها لتشاركني ألعابي،و تشاركني غرفتي،و أتباهى بصحبتها أمام الجارات اللواتي لم يصاحبنني يوما، كان سيغنيني وجودها عن الكثير. 

      كدمية جميلة تناغي بصوت ناعم تبتسم لكل شيء، و تضحك لأتفه حركاتي، كنت أرى سعادتها حينما تراني فتفلت رضاعتها و تناغيني كأنها تقول هيا نلعب، 

  حبيبتي.. تركتِني في المنتصف.  

  في آخر أمسية لها، مستلقية بعد أن فتكت الحرارة بجسدها اللطيف الناعم فأثقلت حركاتها، كل المحاولات كانت فاشلة أمام الحرارة التي أصرت أن تغادر بها سريرها الدافئ إلى حفرة باردة ظلماء. 

       مثلما حمل والدي أمي بين ذراعيه إلى المشفى حمل أختي قبل سنوات لكنه عاد لوحده، و ترك حبيبتي في ثلاجة الأموات،  حبيبتي صغيرة لا تقاوم البرد،  تركت وحيدة بمكان بارد موحش مظلم ،لقد قالت أمي أنهم يخفضون حرارتها في المشفى لكنها عادت و والدي بدونها، لم يفلح الأطباء في شفائها، 

فقدت أختي و معها آمالي و أنسي، و فقدت ثقتي في الأبدية. 

      مرت سنين، مازلت تراود أحلامي ، تسوقني قدماي صباحا لسريرها دون وعي، متلهفة لأجدها مستيقظة تناغي، متناسية أنها  قد نامت تحت الثرى، ثم أعود لوعيي فألعن لحظة إستيقاظي، لوأنني أعود لفراشي و أواصل حلمي من حيث توقفت. 

  أجلس أمام قبرها الصغير كلما زرتها، أنيق قبرها على مقاس لطافتها، جميلة حتى بين الثرى، حبيبتي.. الحياة مؤلمة تمتعي بجوار ربك فقد نجوت من حياة حقا لا تستحق العناء.

  مازلتِ بقلبي لا تصدقي قولهم، السنين ليست كفيلة لمحو آثار من نحب، صوت مناغاتك مازال في مسمعي كأنك هنا، مازالت رائحتك الزكية بأنفي أستنشقها كلما إختنقت من كربون الحياة فتتسع أقفاص صدري و تمتلئ رئتاي. 

لقد تطلب مني الإعتياد على رحيلك جهدا و وقتا كاد يأخذ كل عمري لكنني إعتدت، لا تقلقي،. 

     ظل  شبح الفقد واقفا يحشرني في زاوية ، كل شيء قاتم، أنتظر عودة والداي، أدعوا في صمت، ربي لا تختبرني في والداي. 

     حين حاوطني اليأس جاءت كلمة الله تعلن الفرج، عاد أبي المغوار بوالدتي، تأخرت لكنها في النهاية إستيقظت، تعلم أني أخاف الفقد فعادت تطرد مخاوفي.

        قويدري سميرة.

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق