القهوة رمز المحبة والإلفة والسلام .
بقلم الكاتب الاعلامي :
أنور ساطع أصفري .
************************************************************************************
عُرِفت القهوة منذ العصور العربية الأولى ، وأُستعملت في العقاقير الطبية ، ومنبتُ شجرة ىالبُن في شبه الجزيرة العربية ، وتحديداً اليمن ، ولهذا تُكنّى باليمنية أو العدنية .
ومن ثُمّ غدت القهوة رمزاً للكرم ، تُلازم العربي أنَّ وُجِد ، يُقدمها لضيوفه ، حيث تحملُ في طيّاتها كل معاني المحبةِ والإلفة والسلام .
ورويداً رويداً شاع استعمالها خارج الجزيرة العربية ، ففي القرن التاسع الهجري ، الخامس عشر للميلاد ، حطّت رحالها في مصر بدلالة " برو سبيه البين " عالم النبات الذي دخل مصر مع أحد قناصلة فرنسا في القرن السادس عشر ، حيث مكث فيها ما يُقارب أربع سنوات ، وقام بإعداد كتابٍ عن النباتات أشار فيه إلى شجرة البن القادمة من اليمن ، وطُبع هذا الكتاب باللغة اللاتينية في أوروبا عام 1592م .
أمّا تركيا فعرفت القهوة في عام 1554 م ، وصارت تُعرف بالقهوة التركية أي الحلوة عندنا ، وتعرّفت عليها باريس في عام 1669م ، حيثُ قدّمها السفير التركي سليمان آغا رسول السلطان محمد الرابع هديّة إلى ملك فرنسا .
ولم يعرفها العامّة إلاّ في عام 1672م ، إذ إنتشرت على نطاقٍ واسع في الحانات والمقاهي التي كان يرتادها طبقة النبلاء والأشراف ، الأمر الذي أثار نقمة الأطباء الفرنسيين اللذين قاموا ضدها كونها لا تُناسب ذوقهم - أي الأوروبيين - على حد تعبيرهم ، إلاّ أن الدكتور " دونكن " الاستاذ في جامعة مونبيليه في العام 1705 م راح يُبيّن مساوىء القهوة ، ومن جهةٍ أخرى فقد جاء بكتاب الدكتور " هوبيكه" من جامعة باريس في العام 1709م الذي طرحه في الأسواق " إن من خطأ الباريسيين شربهم القهوة ، وعلينا كمجتمع أوروبي عدم التمسّك بهذه العادة ، لأن شرب القهوة عادةً جاءت من عند العرب .
وعلى نقيضهما جاء الدكتور " أندريه " مُشيراً إلى فوائد القهوة في كتابٍ أعدّه عنها ، الأمر الذي شجّع دخولها وانتشارها على نطاقٍ واسع في كلٍ من إيطاليا وعُرِفت باسم " الاكس بريس " وفي أمريكا عُرِفت القهوة الأمريكية التي تُمزج مع الحليب .
عودٌ على بِدء ، يُطلقُ العرب على القهوة صفة " مُرَيّحّةِ التَعْبان " وقد جاءت هذه التسمية كونها تُقدّم للزائر فور وصوله بيت المضيف ، فيشعر بالانتعاش والراحةِ من عناء السفر .
جديرٌ بالذكر أنّ شرب القهوة أو عدم شربها عند المضيف ارتبط بتلبية الحاجات والطلبات ، فإن صبّ المضيف القهوة وقدّمها للزائر ، وامتنع الزائر عن شربها عُلم أن وراء ذلك حاجةً يجب أن تُلبّى .
وهناك عادات تخصّ شاربي القهوة مُعترف بها من قبل جميع الناس ، وهي أن يحملُ الساكب المصبّ بيده اليمنى ويبدأ بالسكب من اليمين وفق ما يُقال " من على اليمين لو كان أبو زيد على اليسار " ويتناول الضيف الفنجان بيده اليُمنى أيضاً .
فالقهوة هي رمز لكرم العربي وطيبه ، ولقد دخلت في أشعارهم فوصفوها وأجادوا بوصفها بالفصحى وباللهجة المحكيّة .
كما أبدع العرب في تحضير القهوة العربية وأضافوا لها المنكهات مثل : المسك ، القرنفل ، جوز الطيب والهال ، حتّى بات البعض يتغزّل بها مُشبّهاً رائحة محبوبته برائحة القهوة .
والقهوة تُساعد على احتمال المتاعب الفكرية ، وتحول دون النوم ، فهي مادة منبّهة ، وتزيد النشاط الفكري للقيام بالاعمال الدقيقة .
وتُعتبر القهوة مادةً أساسية يرضاها الجميع على اختلاف أذواقهم ، وهي رفيق الرجال في مجالسهم ، وشاهد على أحاديثهم ، ومؤنسة وحشة لياليهم ، ولا تزال رمزاً لحياتنا الاجتماعية التي نعتزّ بها .
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق