الخميس، 16 سبتمبر 2021

مشاوير ....28. بقلم // علي غالب الترهوني

 مشاوير ....28...

______________


غادرت المقبرة وتركت أهلها يبتهلون على الدوام .سلكت درب النهر مازالت أطلاله ثبعث البهجة في القلوب .ضفتيه خضراوان .نمت أشجار اللوز وتوردت بأزهار بيضاء تفوح منها رائحة زكية .أنعشتني كثيرا وقد شعرت للحظة أنني أستعيد قواي و داهمني إحساس غريب .كأن قوا  خفية تدفعني إلى المضي .كأنني اسابق الوقت .مررت على حطام زاوية المدني .هناك تبعثرت قبور اﻹولياء والمريدين. كم من مزارات وحفلات جنائزية أقيمت على أعتاب أموات مجهولين .تذكرت رفيقتي الغائبة إسمها ليلى مثل رفيقتي في المدرسة بعد قليل أكون أمامها وجها لوجه .حتما ستطرح أسألتها الصعبة أو تلك الأسئلة التى لا أحب إجابة عليها .

النهر إنحسر منذ مئات السنين .يشق الوعور من الساحل الأزرق إلى ممالك الصحراء .تفد الناس على ثقب صغير ينضح بالماء العذب في الجوف الغويط .جئت مرة صحبة والدي أجلسني أمامه على ظهر الدابة ووصلنا قبل الشروق .المكان يعج بالغرباء يحملون القرب ويقفون تباعا .لم أر حارسا يقوم على النظام  .والتدافع لم يكن قويا .لكن الناس تخشى أن تعود خالية الوفاض لأن الرمل يمتص الماء للحظات .مرت ذكراه وأنا في طريقي إلى المدرسة .

ما إن وصلت المنحدر حتى تراءت الخضراء .معمار يلتف حوله الشجر أينما إتجهت. تتوسط الكنيسة نموذج خدمي بني نهاية القرن التاسع عشر .تشرع النوافذ وسط ساحة خالية من الضجيج .يقابل الكنيسة أطلال معصرة حجرية عمرها أكثر من أربعة آلاف عام .يحيط بها سياج طوبي وفي جوفها تمادت نخلتان. يفصل بين المعصرة والنصب التذكاري لجنود مجهولين يحملون بنداق من الرخام ووجوههم جاحظة تشع تحت خوذات من المرمر الأبيض. 

المدرسة التى في المنتصف مازالت ملك الإيطاليين. لايفوق عدد تلاميذها عشرة اطفال .يلبسون الطرابيش ذوات الزهرة السوداء .وبناتهم صغيرات جميلات يلبسن التنانير القصيرة التى تكشف عن  مفاتنهن. لا أحد كان يجرؤ على الاقتراب منهن .

أما مدرسة الخضراء التى نرتادها الآن ذات الطابقين المنهاران فهي تقع نهاية سور المسجد الوحيد .حين وصلت إلى البوابة رأيت ليلى تهرب مني .لم أجد تفسيرا لما يحدث واقع الأمر. وفي الطرقة كان رفاقي ينظرون إلي   بحذر  ويهمسون فيما بينهم مشيرين إلي بالبنان  .وضعت كتبي على المقعد وجلست في إنتظار الفروض .أصابني العياء .لكنه تعب جميل سعدت بلقاء جدي ومررت على دروب القديمة وها أنا طفل سوي ...

________________

على غالب الترهوني 

بقلمي

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق