نظرية موت المؤلف :
دنجم الوندي
بدٲت اولی خطوات موت المؤلف في القرن التاسع عشر عندما صرح فلوبير في احدی رسائله: یجب ان لایكون المؤلف حاضرا في نصه بشكل معلن ومباشر، وانما علیه ان یكون كالٳله موجودا وغیر منظور.
لقد تم تبني هذه الفكرة من قبل كتاب الروایة ونقادها بذریعة تحرر الشخصية الروائية من عقال المؤلف واتاحة المجال لها للتعبیر بحریة عن مكنونات نفسها وما هو مخبوء في لاشعورها دون تدخل من الروائي لتفسیر وتحلیل حالتها النفسیة وما یجول خُفیة في ذهنها. ومن الروائيين المعروفین الذين تبنوا هذه الفكرة جیمس جویس مؤلف روایة ( یولیسیس ) و الروائية فیرجینیا ولف وخاصة في روایتها ( الامواج ) والروائي الفرنسي مارسیل بروست في روایته الشهیرة ( البحث عن الزمن المفقود ). لقد حاول هؤلاء الكتاب عن طریق المنلوج تحریر شخصیاتهم من هیمنة الرواي العليم ومنحهم القدرة علی التعبیر عن ذواتهم دون تعلیق، او تدخل من قبل هذا العنصر السردي. لقد تغیر فعلا اسلوب الكتابة الروائية علی ایدي هؤلاء الكتاب واصبح الهم الرئيس لهم مسرحة ذهن الشخصیات، اي جعل ذهنها مسرحا للاحداث. ثم قاموا بتغییر لغة السرد وجعلوها لغة متشظية، لایجمعها ادنی قواعد النحو، او المنطق وذلك بكثرة استعمال التنقیط اوعدم استعماله بالمرة، باعتبار انها تعابیر تقع في مرحلة ما قبل التشكل اللغوي والموجودة في منطقة اللاوعي، وغیر مهيئة للتلفظ من قبل الشخصیات بشكل مباشر في حواراتهم.
وفي منتصف القرن العشرین وعلی يد الناقد والروائي بیرسي لوبوك، تم دفع فكرة ابعاد المؤلف خطوة اخری الی الامام حین تطرق في كتابه ( صنعة الرواية ) الی طرائق تقدیم الشخصیات السردیة وقسمها الی طریقتین وهما :
۱ــ الطریقة الدرامیة
۲ــ الطریقة البانورامیة
تهمنا هنا الطریقة الاولی والتي تراد منها تنحیة الراوي العلیم جانبا باعتباره قناع المؤلف والمعبر عن صوته ووجهة نظره، وفسح المجال للشخصیة الروائية كي تقدم نفسها مباشرة دون تدخل منه بالوصف، او تقدیم معلومات عنها كما كانت سائدة في روایات القرن التاسع عشر ومن نماذجها الروایة البلزاكیة التي كان الراوي فیها یقدم صورة جاهزة للشخصية عن طریق وصف ملامحها، او تشخیص حالتها الاجتماعیة و تحدید نوع حرفتها وحتی نشٲتها منذ الطفولة الی ان یولج بها في وسط الاحداث.
ومع ظهور النظریة البنائية، او ما یسمی بالمنهج البنیوي، تم طرح فكرة موت المؤلف بشكل علني، ومن اوائل من نادی بهذه الفكرة (رولان بارت) وكذلك ساند هذه الفكرة كل من جاك دریدا و الروائي فولكنر والناقد الالماني فولفغانغ آیزر.
لقد اشار رولان بارت في كتابه ( مدخل الی التحلیل البنیوي للقص ) الی ضرورة الفصل بین المؤلف وشخصیاته، لان الشخصیة كائن من ورق والمؤلف كائن اجتماعي وتاریخي. وقال لاضرورةللبحث عن شخصیة المؤلف النفسیة والاجتماعیة فی ما یرویه من قصص وروایات، لانها قصص وروایات خیالیة لا علاقة لها مع مؤلفها، ولیست من الضروري ان تكون احداثها واقعیة، او ان تكون جزءا من احداث حیاة المؤلف الحقیقیة ، ومن الافضل ان تكون فواعلها كائنات خیالیة لانظائر لهم في الواقع المعیش .
وقد تم تبني هذه الفكرةمن قبل رواد الروایة الحدیثة الفرنسیة وبالاخص من قبل آلان روب غریة وناتالي ساروت وسیمون دی بوفوار. وكان آلان روب غریة یؤكد بان الروایة لاتعالج شيئا قد حدث من قبل وانما علیها تقدیم عالم خیالي لا علاقة له بما یحدث في الواقع، وان الشخصیات في الروایة لایجب ان تكون مثالا للشخوص في ارض الواقع.
ان الفصل بین النص ورؤیة المؤلف للواقع بجدلیتها هي خطوة نحو اغفال الناص وما يبثه من رسائل لمعالجة تشوهات الواقع والقاء الضوء علی مایعانیه الانسان نتیجة الاستغلال والتمیز الطبقي والاجتماعي وما یصاحب ذلك من معاناة واستلاب واغتراب وخاصة في مجتمع مثل مجتمعاتنا الشرقیة، حیث سیادة التسلط ومحاولة قهر الانسان وازاحته نحو الهامش ودفعه نحوعدم الايمان بغد افضل.
ان محاولة مشایعي هذه الافكار وخاصة اشیاع البنیویة، لهي محاولة خطرة قد تؤذي الادب ویحرفه عن رسالته السامیة وذلك بتفریغه من مضامینه الانسانیة والنظر الیه كتحفة فنیة لاغیر .
ان وراء الادب دوافع وابعاد كثیرة، منها تعرف القاريء علی نفسه وعلی مایحیط به من مشاكل وازمات بحاجة لمن یساعده علی تخطیها وایجاد البدیل المناسب لها كي يوجهه الوجهة الصحیحة،
ورغم كل سلبیات النظریة البنائية وبالاخص ما یتعلق بموت المؤلف وازاحته من النص واغفال رؤاه، ٳلا انها قدمت فوائد جمة للنظریة النقدیة ولكتاب الادب ومنها كتاب الروایة علی وجه خاص. لانها نظریة تدعو الی التعددیة في الرؤی وعدم الاكتفاء برؤیة واحدة وان كانت هذه الرؤیة تنسب للمؤلف نفسه. وتوفرت المساحة اللازمة للقراء لممارسة دورهم في تحلیل وتفسیر النصوص الادبیة دون التمسك فقط برؤیة واحدة سائدة في النص. وهذه الامكانیة لايوفرها نص ٲیدیولوجي مغلق علی فكرة واحدة باهتة وسطحیة ومباشرة، وانما توفرها كتابة حية تؤمن السبل لطرح افكارمحتلفة ومتباینة، منها قد تكون قریبة من فكرة الناص ومنها افكار لم یبثها الناص علانية وعلی القاريء البحث عنهاو ایجادها في النص بقراءة متٲنیة ودقیقة.
كثرة القراءات لنص واحد دلیل علی قوة النص وغنی فكر المؤلف وخصب تجربته في مجال الكتابة الواعیة التي لاتقبل التسطیح ولاتغلق علی فكرة واحدة مستوحدة لا یمنح القراء فرصة التفاعل معها .
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق