الاثنين، 11 أكتوبر 2021

بقلم الأديب // عبد الجابر حبيب قراءة نقدية لنص الهايكست سامية غمري

 قراءتي لنص الشاعرة المبدعة الهايكست سامية غمري Samia Ghemri 

خريف الحديقة 

بكمشة أوراق

يحبني لايحبني


حقيقة مالفت نظري في هذا النص الذي يتألف من ستة كلمات، ولا النافيةللجنس، وما يخفيه من مرارة الوجع، والانتظار الذي قد لاينهي المأساة،  حقاً قد ذكرني بقول الكاتب الساخر ابراهيم المازني ( سأبقى أنتظر على حدود الأمل إن كان للأمل حدود )

نعود إلى نص الهايكو والسطر الأول منه / خريف الحديقة /

بدأت الهايكست نصها بكيغو واضح لالبس فيه. لم  تستخدم الكيرجي في نهاية السطرالأول  رغم أن  النص ثنائي المشهد، وعدم استخدامها القطع،  لاينفي عنه  التورياوازيه، ولايعيب ذلك النص أبداً، ولكن وجود القطع كان يفسح للقارئ مجالاً أكبر للتأمل...

قول الشاعرة /خريف الحديقة/ .. 

نعم لكل شيء من حولنا له خريف ، في ذاتنا خريف، وفي روحنا خريف  وتظهر علامات الخريف ليس في الحديقة، فحسب. إنما على أجساد البشر، ويفعل الخريف بالأشجار التي أوشكت أن تتعرى، وأوراقها الخضراء التي كانت تراقص  نسائم المساء حتى باتت مستلقية على الأرض. 

يفعل ذلك بكل الكائنات عاجلاً أو آجلاً  فهذه العجوز انهكها التعب،  وحفر الزمن في وجهها أخاديد، وتجاعيد وبات الشعر منها أشيب مثلها مثل أوراق أشجار الحديقة، نعم لكل شيء خريف تسقط فيه أشياؤه. مثل جمال العجوز الذي أسقطه خريف العمر .

للخريف أسرار وأسرار، فالورقة التي تتخلى عن موضعها لاتحزن أبداً لأن لديها أمل كبير بأنها ستذوب في التربة، ستتحول إلى غذاء لأخواتها الوريقات القادمات من رحم الربيع بعد معاناة المرور بمرحلة الحبل والمخاض في الشتاء ، ككل إنسان لديه إيمان بالبعث من جديد ليحيايا حياة جديدة في يوم ما؟ 

وكذلك الذي يؤمن بالتقمص، وأن الروح تتنقل من كائن إلى آخر،  وكأن الشاعرة تخبرنا بأن الخريف مرحلة من مراحل الانتقال عبر الزمن لكائنات الطبيعة، وقد يأتي الخريف مرة في كل سنة مثلما نراه ...أو قد يأتي في العمر مرة واحدة...

إذاً الأوراق التي تحدثت عنها الهايكست ملأت أرض الحديقة  وتلاعبت بها الرياح ولم تعد الأوراق تحسب حساباً للريح وكأنها تقول للريح جهارة افعلي ماشئت يارياح، فنحن لم يعد يهمنا شيء سوى الرحيل، وهي مفعمة بالأمل لحياة ثانية، وأنها ستظهر بأوراق أخرى يانعة خضراء.

السطر الأول بالكيغو الظاهر، واليوغن الذي تسرب إليه، وإلى كل كلمة منه.  أعطى القارئ  مجالاً لكل التأملات السابقة، وربما أكثر من ذلك بكثير...

عندما تنتقل الشاعرة  بقارئها إلى السطر الثاني / بكمشة أوراق / 

تولجه إلى كهف الغموض الثاني، واليوغن الجميل الذي يبحث عن استنارة لم تأتِ بعد يا ترى ماذا تريد إخبارنا به من خلال قولها ..كمشة أوراق ...نعرف حتماً إنها أوراقاً  صفراء، ولكن ماذا تريد من هذه الكمشة ...قد يخطر على البال تأويلات وتساؤلات عديدة دون أن نهتدي إلى المقصود لو أجلنا قراءة السطر الأخير ..هل تريد حرق كمشة الأوراق لتتدفأ بها في صباح  خريفي بارد؟  أم تريد هذه الكمشة لحيوان جائع ؟ أو تريد الكمشة لتنظف بها شيئاً في غياب الماء مثلاً ....؟ وقد يخطر على بال أحدكم مالم يخطر على بالي ..إذا التكهن بالمراد من الكمشة صعب جداً معرفته ..

وهنا روح الهايكو  فالهايكست تقدم لك مشهداً من الطبيعة دون أن تغرق ذاتها فيه  خريف الحديقة / بكمشة أوراق / غموض في غموض  ...ولكن لتأثير الطبيعة على النفس   ونوه إليه بيل هيجسون بالسابي..الوحدة أو العزلة وماتتركه من الكآبه  والحنين إلى الماضي الجميل .

لا مجال للانتظار أكثر  ماذا بعد هذه الكمشة من الأوراق  فالانتقال إلى السطر الثالث فيه لحظة الاستنارة التي كانت غائبة عنا تماماً / يحبني لا يحبني / وكانها تبحث عن توأم السابي ...الوابي لتشعر عن طريق هذه الكمشة بالسلام والهدوء ...ولكن مع الأسف الشديد هناك  احتمالين لاثالث لهما 

وهنا تبدأ مرحلة العذاب الحقيقي/ يحبني لا يحبني / 

الله ما أتعس الإنسان الذي يفتقد الحُب، فلا  أحد على وجه الأرض لايريد الارتباط بنصفه الآخر سواء أكان رجلاً أم امرأة. هذه صيرورة الحياة، ومن يعشق الآخر يرى فيه الحياة ذاتها وينصهر في ذات الآخر، فمجرد خلاف بسيط يؤدي بذلك الشخص إلى فقدان توازنه النفسي. ساعة فراق تتحول إلى دهر .

والجميع يعلم مايعانيه المحب في هذه الحال فيلجأ إلى الفأل والعرافين وكل شيء يقربه حقيقة أو وهماً من قرينه الحبيب. 

في الربيع كان العاشق يلجأ إلى بتلات الورد حاله مثل حال بطلة النص عند الهايكست سامية غمري فعين الشاعرة التقطت هذا المشهد العميق بأحزانه يحبني ..لايحبني ...فماذا تفعل بطلة الشاعرة في هذا الخريف ...نعم لجأت إلى أن تحمل بيدها كمشة أوراق صفراء، ولتجرب حظها يحبني  لايحبني، وهو الأمل الذي قد يأتي مع الورقة الأخيرةبتزامنهامع كلمة يحبني .ويعيد إليها الراحة النفسية إلى حين .وصدقاً لو ترافقت كلمة لايحبني  مع الورقة الأخيرة لحملت كمشة أخرى  وجربت التجربة ذاتها لأن /  لا يحبني يقتل روحها وإن بقي الجسد يتحرك .لذلك قلت البداية تذكرت قولاً وليم لشكسبير

(البؤساء  لا دواء لهم إلا الأمل ) فهذه العاشقة التي لا أمل لديها  سوى التكرار  وهذه هي الاستنارة الرائعة في النص معرفة حقيقة الأشياء  والأحداث من حولنا 

نعم هذاهو الهايكو الذي يحمل معنى في ذاته، ولم يكن مجرد نقل صورة عن طريق الكاميرا

وما ياء المتكلم إلا صوت تلك العاشقة التي خرقت سمع الهايكست، والهايكو هو التقاط مشهد بعين  بارعة من الطبيعة،  والإنسان جزء من هذه الطبيع حتماً ..يقول الأستاذ الفاضل محمود الرجبي بهذا الخصوص ( أنا لا أفهم  كيف نرى الحلزون جزء من الطبيعة ولا نرى الإنسان كذلك )

حقيقة النص جميل برأيي، ويمتلك  شروط الهايكو  كالمشهدية ، والاختزال،  والتنحي،  واستخدام الكيغو مرتين  مباشر، ومادلّ على الخريف، وفيه عدد غير محدود من التأويلات، وهذا مايجذب القارئ للنص ...وإلا فالصورة بدون كوامن داخلية لايمكن إلا أن يكون نصاً مجرداً نقل لناصورة عن طريق  ترتيب الكلمات، ووصف الصورة ...

تحيتي للهايكست الشاعرة المبدعة سامية على نصها الجميل .

أرجو أن أكون قد توفقت في هذه القراءة 


....عبدالجابر  حبيب ....



ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق